بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء لغتنا مع الشباب

مراسل حيفا نت | 23/08/2025

✍️ بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

لغتنا مع الشباب

مما لا شك فيه أن الجميع يتأثر بالواقع الذي يعيشه المجتمع العربي بشكل خاص، والأمة بشكل عام، وهذا التأثير يترك بصمته على الشباب الذين هم عماد الأمم والشعوب. غير أن دور المربين والآباء وأصحاب المسؤولية في رعاية الشباب يبقى الأعمق أثرًا، فهم القدوة والنموذج، وهم الذين بيدهم توجيه الأجيال نحو الخير والارتقاء.

وقديماً قيل:
يا أيها الرجل المعلّم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليم
لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

إن لغة الشباب اليوم ليست كما كانت في الماضي؛ فوسائل التواصل الاجتماعي، والتقنيات الحديثة، وفتوحات الذكاء الاصطناعي جعلت أبواب المعرفة مشرعة أمامهم، تصلهم بسرعة تفوق ما نلقنه لهم بطرق تقليدية. ومن هنا، يصبح الحوار البنّاء، والمرافقة الوجدانية، واحتضان الشباب بحب ورحمة وأخوة، أساسًا لا غنى عنه في تربيتهم وتحصينهم.

إن القرآن الكريم رسم لنا قاعدة راسخة في التعامل مع الناس جميعًا، كبارًا وصغارًا:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

وعلينا أن ندرك أن لغة الشباب اليوم متجددة، ولها خصوصيتها، وأن التربية لم تعد كما كانت في زمن سلفنا الصالح. وقد رُوي عن الإمام علي رضي الله عنه قوله: “لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم”. فالشباب يتعرضون اليوم لفيض من العلوم والمعارف، منها النافع ومنها الضار، ولأفكار قد تبنيهم أو تهدمهم، وإذا لم نفتح لهم أبواب الحوار ونستخدم أدواتهم، فإننا نتركهم عرضة لمخاطر المخدرات الرقمية، والانحرافات السلوكية، والتيارات الفكرية المنحرفة.

ولذلك، فإن واجبنا أن نأخذ من الحضارة أنفعها ومن العلوم أرقاها، دون أن نفرط بالقيم والأخلاق التي أمرنا الله بها. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان النموذج الأسمى في حسن الصحبة والحوار مع الأطفال والشباب. فقد ورد أن الطفلة الصغيرة كانت تمسك بيده وتقوده حتى يقضي حاجتها، وكان إذا عاد من سفر يُستقبل بالأطفال فيركب بعضهم خلفه وبعضهم أمامه. وكان يحمل حفيدته وهو قائم في الصلاة، مما يعكس قيمة المرافقة الوجدانية في التربية.

ومن أروع الأمثلة ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه: “كنت خلف النبي يومًا فقال: يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك…” إلى آخر الحديث الشريف. هذه الكلمات كانت بذرة عظيمة ألقاها النبي في قلب غلام صغير، فغدت منهج حياة.

ولم يكن صلى الله عليه وسلم يخجل من مواجهة الشباب بأخطائهم، بل كان يعالجها بالحوار العاقل والرفق. فقد جاءه شاب يستأذنه في الزنا، فرفض الصحابة قوله بشدة، بينما خاطبه النبي بلغة العقل والعاطفة، فسأله: “أتحبه لأمك؟” … “أتحبه لابنتك؟” … حتى أذعن الشاب وأدرك قبح ما طلب، ثم دعا له الرسول بالطهارة والعفة، فكان بعدها من أكرم الشباب.

وهذا يعلّمنا أن حسن الحوار مع الشباب هو السبيل إلى قلوبهم وعقولهم، وأن التعامل معهم لا يكون بالعنف والغلظة، بل بالرحمة واللين كما قال تعالى:
(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله).

إن مسؤوليتنا اليوم مضاعفة، في زمن تتقاذف فيه الشباب تيارات العولمة، وتحاول نزع انتمائهم الإيماني والعقدي. فلنكن نحن أصحاب المبادرة، نفهم لغتهم، نقترب منهم، نبتكر الوسائل لجذبهم إلى الخير، ونحاورهم بلطف وحكمة، حتى نحافظ على هويتنا وقيمنا، ونبني جيلًا مؤمنًا وواعيًا ومحصنًا أمام كل المغريات والانحرافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *