“ادعوني أستجب لكم”

مراسل حيفا نت | 02/05/2025

بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

“ادعوني أستجب لكم”

قال تعالى:

{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}

في هذه الآية الكريمة حثّ من الله تعالى على الدعاء، وهو وعد صريح بالاستجابة، واعتبار الدعاء عبادة لا يصح تركها؛ لأن في الدعاء تعبيرًا عن تعظيم الخالق، وإظهار حاجة العبد إلى ربه.

وقد بيّن ربنا سبحانه وتعالى قربه من عباده، وسماعه لدعائهم سرًا وجهارًا، فقال عزّ من قائل:

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.

ومن يتأمل في آيات القرآن الكريم، يرى أثر الدعاء جليًا في حياة الأنبياء والصالحين، فإن الله هو وحده كاشف الضر، كما قال:

{وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله، يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم}.

لقد لجأ إليه نبي الله أيوب عليه السلام بعد سنين من البلاء فقال:

{وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}،

فكانت الإجابة:

{فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}.

وكذلك نبي الله زكريا عليه السلام حين دعا ربه وقد كبر سنه ولم يُرزق بالولد، فقال:

{رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين}،

فجاءه الفرج:

{فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}.

وفي معركة بدر، حين التقى جيش المسلمين القليل بعددهم وعدّتهم بجيش المشركين الكثير، لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه بالدعاء فقال:

“اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم”.

ثم قال:

“اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض”.

فاستجاب الله له، وأمدّهم بالملائكة، كما جاء في قوله تعالى:

{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.

وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء في أوقات الشدة، ومن ذلك قوله:

“اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك… أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمي”،

وقال أيضًا:

“اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”.

لكن، قد يتساءل البعض: “ندعو ولا يُستجاب لنا”!

هذا السؤال ليس جديدًا، فقد طرح على الشيخ إبراهيم بن أدهم -رحمه الله- حين قيل له في سوق البصرة:

“يا أبا إسحاق، ما لنا ندعو الله فلا يُستجاب لنا؟”،

فأجابهم:

“لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء:

  1. عرفتم الله ولم تؤدوا حقه،
  2. وزعمتم حب رسوله ولم تعملوا بسنته،
  3. وقرأتم القرآن ولم تعملوا به،
  4. وأكلتم من نعم الله ولم تؤدوا شكرها،
  5. وقلتم إن الشيطان عدوكم ولم تخالفوه،
  6. وقلتم إن الجنة حق ولم تعملوا لها،
  7. وقلتم إن النار حق ولم تهربوا منها،
  8. وقلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له،
  9. ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا،
  10. وانشغلتم بعيوب الناس، ونسيتم عيوب أنفسكم”.

ومن هنا، فإن الإخلاص في الدعاء واليقين بالإجابة شرط أساسي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاهٍ”.

ولا يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، كما قال النبي:

“ما من عبد مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث:

إما أن تُعجل له دعوته،

وإما أن يدخرها له في الآخرة،

وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها”.

قال الصحابة: “إذًا نُكثر؟”،

قال: “الله أكثر”.

ومن موانع الاستجابة: أكل الحرام، وظلم الناس، والمعاصي، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا… يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب له؟”.

وقال أيضًا:

“والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم”.

فالواجب علينا، أيها الإخوة والأخوات، أن نرجع إلى الله بالتوبة النصوح، وأن نُقبل عليه بالطاعة والاستقامة، حتى يُغير الله حالنا إلى أحسن حال، كما قال تعالى:

{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *