شذرات انتخابية!

مراسل حيفا نت | 10/10/2018

د. منعم حدّاد

شذرات انتخابية!

(لا…، ليست من الواقع!)

شهر مرحبى:

ثمّ تقاويم مختلفة، أشهرها العبري والميلادي والهجري، وللانتخابات تقويمها الخاص، يبتدئ قبل موعدها، في فترة “جسّ النبض” والمفاوضات والمساومات والترشيحات والمبادلات والمقايضات…

ودعا الظرفاء هذا “التقويم” بشهر (أو موسم) مرحبى، تدليلاً على “تعمق” صداقة المرشحين مع جماهير الناخبين والتقرّب منهم (وتحيتهم “على الفاضي والملآن” بمرحبى مرحبى)…والتي سرعان ما ستذبل وتذوي حالما تنتهي الانتخابات ويقترع الناخبون…

آخر من يقترع!

واستوى رجل في مجلسه وقال:

عاهدت نفسي والآخرين أن أكون آخر من يقترع يوم الانتخابات وأنتظر حتى الثانية الأخيرة!

لماذا؟ استغرب القوم كلامه، فأوضح:
unnamed-4-8-221x300
تعلمون أن الانتخابات تجري مرة كل بضع سنوات، وفي موسم الانتخابات ينهال الاحترام والتكريم والتبجيل والتوقير عليّ كما على كلّ مقترع افتراضيّ آخر، وسأبقى الزعيم المبجّل والموقّر والكلّ يجري حولي ويخطب ودّي ويطلب صفو خاطري طالما لم أقترع، أما في اللحظة التي ألقي فيها بورقة الاقتراع في الصندوق فسيختفي الاحترام والتوقير والتبجيل، وأعود نكرة مجهولة لا مكان لها من الإعراب، حتى الانتخابات التالية، لذا فسأبقى حتى النهاية لأقترع!

أهل؟؟؟

نحن “أهل” وسأتشرف بزيارة منزلك العامر في الوقت الذي تسمح لي فيه بذلك!

البيت بيتك وأهلاً بك على الدوام، لكن هلا تكرمت وأطلعتني على سبب هذه الزيارة الكريمة؟

وتسأل عن السبب يا هذا، ونحن أهل، هكذا ولدنا وكبرنا ونشأنا ونحن أهل وأكثر من أهل…

يا سلام! لقد بلغت كل هذا العمر ولم أسعد بالترحيب بك في منزلي المتواضع ولم أعلم أننا اهل إلا في هذه الأيام، فكيف ذلك؟

هو الانشغال بشؤون الحياة الذي كان يحول دائماً دون التشرّف بزيارتكم لأننا أهل…فلا تؤاخذنا على تقصيرنا ودعنا نشعر بأننا أهل وأهلية…

لا يا هذا، فنحن لسنا أهلاً ولم نكن أهلاً يوماً ولن نكون كذلك طالما لا نصبح أهلاً إلا في شهر مرحبى!

بالطلاق…

اقسم لي قسماً عظيماً ألا تصوت إلا لي ولقائمتي!

ولكن…

ألم تعدني بذلك؟ ألسنا أصدقاء؟ ألسنا أقارب؟ ألسنا…

وبماذا أقسم لك؟

اقسم لي بالطلاق…

حسناً سأقسم لك بالطلاق…

وأقسم الرجل بالطلاق بصوت مرتفع سمعه المرشح الموقر، بينما خاطب نفسه بصوت منخفض قائلاً:

اغفر لي يا رب، فأنا اقسم مضطراً ومرغماً، واسمح لي بذلك، فأنا لن أطلّق مهما حدث، واعتبر يميني هذا خطأ أو كذباً…أرجوك وأتضرع إليك يا ربي…!

استقسمه الجميع!

وألح مرشح على الرجل أن يصوت لصالحه، بحجّة أنه قريبه وأصرّ أن يقسم له، فأقسم الرجل مرغماً!

وألح عليه مرّشح ثان أن يصوت لصالحه، وألح عليه أن يقسم له فاضطر أن يقسم له!

وألح عليه مرشح ثالث ورابع وخامس … أن يصوت لصالح كل منهم واستقسمه على ذلك ولما لم يجد بداً أقسم…

واحتار الرجل في الأمر، كيف يبرّ بقسمه ولا ينكثه ولا يحنث به؟

وبعد تفكير طويل وأخذ وردّ وجد حلاً إبداعياً للمشكلة فاعتمده واجداً فيه مخرجاً مناسباً للوضع المحرج الذي أوصله إليه أولئك المرشحين.

وعند فتح الصناديق وفرز الأصوات وجدت لجنة الانتخابات مغلفاً يحتوي على أوراق اقتراع لجميع المرشحين…

وقبل أن يبدأ أعضاؤها بالتكهن بصاحب ذلك المغلف قال لهم الرجل:

لقد أجبرني المرشحون بحملي رغم إرادتي وتحت إلحاحهم وإصرارهم على أن أقسم لكل منهم على حدة أنني سأصوت له، ولما لم أجد بداً ولا مناصاً ولا مهرباً من ذلك، بررت بوعدي وعهدي ووفيت قسمي ووضعت أوراق جميع المرشحين في مغلف واحد، وهكذا صوتت لجميعكم، ألا يعجبكم هذا؟

حلقوا شواربهم!

نحن وبصفتنا وجوه رجالات هذه القائمة/الكتلة نتعهد ونلتزم أمام الله والناس أن نلبّي كل طلباتك ونعتبرها أوامر في حالة أنك صوتت لنا أنت وجماعتك وفزنا في الانتخابات!

ومن يضمن لي أن تفوا بوعودكم وتعهداتكم؟

ولو….نقسم لك بشواربنا وبالطلاق ووو…ألا يكفيك هذا؟ أوتشكّ في مصداقيتنا؟

حاشا وكلا، اتفقنا وأبلغكم من الآن أن لا طلبات خاصة لي، وكل ما أرجوه هو أو تقوموا بترميم الشارع القديم المملوء حفراً الموصل إلى الحي في حالة فوزكم بالرئاسة…

وتصافح الجميع ووقعوا الاتفاق بتبادل القبلات…

وشاء القدر ان تفوز هذه القائمة ويتربع مرشحها على سدّة الرئاسة…

ومرت الأيام وكرّت، والرجل يناشد الرئيس أن يوعز بترميم الشاعر المحفر، ولكن لا حياة لمن تنادي!

فقصد الكفيل الأول فطمأنه هذا وهدّأ من روعه وأقنعه أن ينتظر ويتريث ريثما يتدبر الرئيس الأمر فهو ما زال مشغولاً في تثبيت ائتلافه المهزوز وترسيخ قوائمه وتنظيم عمل المجلس.

ومرت شهور وشهور فعاود الرجل الكفيل الثاني فاعتذر قائلاً إن الرئيس مشغول بأمور جليلة يرتبط بها مصير البلاد بأسرها لكنه طمأنه أن يسعى لترميم الشارع المحفر في أقرب فرصة…

ومر عام وعامان فراجع الرجل كفيلاً آخر فقال له وبصريح العبارة: الرئيس استقل برأيه وانفرد به ولا يردّ علينا ولا يلبّي لنا مطلباً…

ومر عام آخر فلجأ إلى الكفيل الأخير، فقال له هذا:

وماذا بيدنا أن نفعل؟ لقد ضرب الرئيس بطلباتنا عرض الحائط، وخذلنا ولم يف بما كان قد قطعه عل نفسه تجاهنا، وهو أسوأ رئيس عرفناه…

ولكن ماذا عن كفالاتكم وقسمكم بشواربكم؟

شواربنا؟ لقد حلقناها…وكفالاتنا قد نسيناها…

وقسمكم بالطلاق؟

قسم كاذب لأنه قسم انتخابات!

حسناً، في الانتخابات القادمة سنحاسبكم!

الانتخابات القادمة؟

لا شكّ أن الناس سينسون كل هذا حتى الانتخابات القادمة وسنطلع عليهم بوجه جديد يكسب ودهم وعطفهم… ويحظى بثقتهم!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *