القناعة والزُّهْد

مراسل حيفا نت | 23/09/2018

القناعة والزُّهْد
rrraa11
بقلم: الشيخ رشاد ابو الهيجا
القناعة والزهد كلمتان تتردّدان على ألسنة الناس كثيرًا، وقد لا نجد لهما في رصيد بعضهم من بقيّة، لقلّة يقينهم بالله وعدم رضاهم عن عطائه لهم، وإن كان كثيرًا، مع أنّ القناعة والزهد يوصلان إلى أعظم الغايات التي يرجوها كلّ عاقل، وهما رضى الله ورضى الناس من بعد. قال رسول الله لرجل جاء يسأله: “يا رسول الله، دلّني على عمل إذا عملته أحبّني الله، وأحبّني الناس، فقال رسول الله: اِزهَد في الدنيا يحبّك الله، وازهَد فيما عند الناس يحبّك الناس.” فمن زَهِد في الدنيا لا تصبح مبلغ همّه إنّما يرضى بما قسمه الله له، فيرى وكأنّه أغنى الناس وإن كان فقيرًا؛ فكان الصحابيّ أبو ذر الغِفَاريّ يقول: “الفقر والغنى مطيّتان لا أبالي أيّهما امتطيت، فإن كان الغنى فمعه الشكر وإن كان الفقر فمعه الصبر .” فلا يتطلّع إلى ما منّ الله به على بعض الناس من نعم يريد مشاطرتهم إيّاها أو يرجو زوالها من بين أيديهم، بل يدعو لهم ببقاء النعمة وبركتها، فيصبح محبوبًا عند الناس لأنّه فعل تمامًا كما وجّه رسول الله أحد أصحابه فقال له: “وأمّا العمل الذي يحبّك عليه الناس فانظر هذا الحطام فانبذه إليهم.” فالمؤمن الطالب للمحبّة من الله ومن الناس لا بدّ أن يؤثر الآخرة على الدنيا، فيفضّل ما عند الله من خير لا ينفد على ما في الدنيا، والذي لا بدّ له من زوال؛ لذلك قال تعالى مذكّرًا عباده وواصفًا حالهم فقال: “بل تُؤثِرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى”؛ وقال: “وفَرِحوا بالحياة الدُّنيا وما الحياة الدُّنيا في الآخرة إلّا متاع”؛ وقال: “إنّما هذه الحياة الدنيا متاع، وإنّ الآخرة هي دار القرار”. فمن لا يقنع ولا يزهَد لا يمكن أن يشبع، فيطلب الدنيا ولو على حساب الناس بمالهم وأرواحهم؛ وقد عبّر عليّ – كرّم الله وجهه – عن معنًى من معاني التقوى فقال: “التقوى: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”. وقال رسول الله: “لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب”. وقال مبيّنًا لأسلم الطرق وأطيبها على النفس: “ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى النفس”. وقال لأبي هُرَيْرة: “كُنْ وَرِعًا تكنْ أعبد الناس، وكُنْ قَنِعًا تكنْ أشكر الناس، وأحبِبْ للناس ما تحبّ لنفسك تكنْ مؤمنًا”.
وقال الشاعر:
العيش ساعات تمرّ \ وخُطوب أيّام تكرّْ
اِقنعْ بعيشك ترضَهُ \ واترُكْ هواك تعيشَ حُرّْ
فلربّ حتف ساقه \ ذهب وياقوت ودُرّْ
وعدم القناعة والزهد كان يُعتبر عند العلماء أحد الأسباب للذلّ والهوان وضياع العلم والقرب من الشرك؛ يُروى أنّ عبد الله بن سلام قال لكعب: “ما يُذهب العلوم من قلوب العلماء بعد إذ وعوها وعقلوها؟ قال: الطمع وشَرَه النفس وطلب الحوائج. فقال رجل للفضيل: فسّر لي قول كعب، قال: يطمع الرجل في الشيء يطلبه فيذهب دينه، وأمّا الشَّرَه فشَرَه النفس في هذا وفي هذا، وإلى هذا حاجة حتّى لا تحبّ أن يفوتها شيء، ويكون لك إلى هذا حاجة، وإلى هذا حاجة، وإلى هذا حاجة، فإذا قضاها لك خرم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن منك وخضعت له، فمن أحبّك للدنيا سلّمت عليه إذا مررت به وعُدته إذا مرض، ولم تسلّم عليه لله عزّ وجلّ ولم تعُده لله، فلو لم يكن لك إليه حاجة كان خيرًا لك”. ومن وصايا أعرابيّة لابنها: يا بنيّ، إنّ سؤالك الناس ما في أيديهم أشدّ من الافتقار إليهم، ومن افتقرت إليه هُنت عليه، ولا تزال تحفظ وتكرم حتّى تسأل وترغب، فإذا ألحّت عليك الحاجة، ولزمك سوء الحال، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسؤول، فإنّه يعطي السائل”. ولأنّ الزاهد أو القانع يطمع برضوان الله والقرب منه فإنّه لا يغفل عن لقائه، فلا يخطو خطوة ولا يعمل بعمل إلّا ويتحرّى الحلال ويبتعد عن الحرام، حاله كما جاء في الحديث النبويّ: “أزهد الناس من لم ينسَ القبر والبلى، وترك زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعُدّ غدًا من أيّامه، وعدّ نفسه من الموتى”. وليس الزهد من قلّة المكسب ولكن الزهد والقناعة مع القدرة على الكسب من الحلال وحيازة الأموال والخيرات، من دون أن تستحوذ الدنيا على قلب صاحبها فتأسره فيصبح عبدًا لماله ودنياه، بل يجمع منها الطيّب الكثير ولا يبخل بل يسارع في الخيرات فينفق من أمواله سرًّا وعلانية، طلبًا لمرضاة الله، ولا يعتقدنّ أحد من الناس أنّه لا يجوز العمل والكسب والأخذ من الدنيا لقضاء الحوائج لأنّ ذلك فهم خاطئ؛ لقوله تعالى: “قُلْ من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق”. ولهذا قال أبو مسلم الخولاني في الزهد: “ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وإذا أصبت مصيبة كنت أشدّ رجاء لأجرها وذخرها فقدك إيّاها ولو بقيت لك”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *