كَيْلا نَكونَ مجرّد أفواهٍ تُفتَح لتَناولِ الفُتات..

مراسل حيفا نت | 14/09/2018

كَيْلا نَكونَ مجرّد أفواهٍ تُفتَح لتَناولِ الفُتات..
“ولوْ طفلةٌ مِن عندِنا مَسَّ شعرَها نسيمٌ لمَسَّ اللجُّونُ ظلَّ الضفائرِ”

تقرير: نداء نصير

هُنا اللجُّون…
أرض الدريهمي… ظهرة محمود.. الضحكات.. ذنبة السعدان… كلّها أسماء حاولتْ أن تخفيها أشجار الصنوبر الآتية من بلاد غريبة، التي زرعها “الخواجات” عام 1955 لطمس معالم اللجُّون وإخفاء الجريمة، لكنّها استسلمت أمام ذاكرة العمّ عدنان عبد الهادي قاسم محاميد (أبو حسام) ابن تلك القرية – اللجُّون..
من مدخل “روس البيادر” دخلنا البلدة من الناحية الجنوبية لحيّ الجبارين، وهناك – بعد أن ترجَّلنا من السيّارة، صديقتي ميس الريم رياض الأنيس، ومحمّد، حفيد العمّ عدنان، وابنتي بيسان وأنا – وقف العمّ عدنان، حاملًا غلّاية القهوة المرحِّبة بنا، وكمن يخطب بالجماهير، قال: “أرحّب بكم في بلدتنا، اللجُّون…”، ولم يكمل العبارة.. فاختلطت الكلمات بالحشرجة والدموع التي عصَت على الرجال، فما نزلت؛ توقّفت هناك على الخدّين الورديّين الحالمين بعودة الطيور إلى أغصان اللجُّون.. لم يستسلم العمّ عدنان لجرحه النازف منذ سبعين عامًا، فأتمّ الجملة الترحيبية، وغصّة نازفة من القلب الموجَع إلى قلوبنا الموجَعة…
دخلناها سالمين آمنين، دخلنا اللجُّون… جنّة الله على الأرض… واسعة رحيبة… تمتدّ العيون على مرماها فترى أسمى وأجمل صور الطبيعة… هنا اللجُّون، هنا فِلَسطين..
من المدخل الجنوبيّ للجُّون استقبلتنا مضخّة الماء الكبيرة، التي بُنيت على بئر ماء كانت تعود إلى القرية، وهي مقامة على مساحة 200 دونم، تضخّ المضخّة الماء لمناطق قريبة، بُغية ريّ المزروعات وتقديم الخدمات.
عام 2013 رفع أهالي اللجُّون (آل محاميد، آل محاجنة، وآل الجبارين) قضية ضدّ شركة المياه والريّ، وطالت القضية وطال الانتظار، فسقط الادّعاء في أقبية المحاكم الحالكة السواد، بحجّة أنّ ملكية الأراضي غير مسجّلة في الطابو، وهي مصادرة منذ عام 1952!!.. وأنّ الأرض مستغلّة من قبل الدولة وتقام عليها مشاريع شتّى.. وسقطت اللجُّون مرّة أخرى، لكن هذه المرّة بقوّة القانون المجحف الذي لا يعلو فوقه أيّ حقّ!!
تمّ نسف البيوت عام 1948، وقد أُجهِزَ عليها بالكامل عام 1949، ولم يتبقَّ منها إلّا مضخّة الماء وبواقي من الطواحين مدخل اللجُّون، والمسجد، فقد ظلّ واقفًا صامدًا بلا مصلّين، داخل الكيبوتس الذي بُني على أنقاض أراضي اللجُّون.
كانت البلدة عامرة بأهلها من 4 حمائل (الجبارين، المحاجنة، المحاميد، الإغبارية)، إضافة إلى امتلاك عائلتَي حدّاد (اليوم في شفاعمرو) ونويصر (اليوم في الناصرة) أراضيَ، كما امتلكوا بوابير الماء ومطاحن القمح في القرية.
ويَحسبها الناسُ جِغرافيا… وهي الل… جُّون:
ويَحسبها الناسُ جِغرافيا، وهي الشامخة على تلّ، تغفو في الطرف الجنوبيّ الغربيّ من مرج ابن عامر، سلّة فِلَسطين الغذائية، موزَّعة على طرفَي وادي اللجُّون، مرأى العين.. جميلة هي… بؤبؤا عينيها تُشعُّ منهما جنين والمرج… مرج ابن عامر… وأعني.. هي على الطريق الرئيس بين بلاد الشام ومصرَ والمناطق الجنوبية من فِلَسطين.. وهي شِمال غرب جنين على بعد 16 كم، وأعني شِمال غرب جنين تمامًا، وجنوب المدينة الكنعانية مَجِدُّو تمامًا.. وجبل الكرمل يكسوها غربًا وجنوبًا، وتلّ المتسلِّم وتلّ الأسمر يلفّانها خجولة… هي اللجُّون وسط هذا وذاك كالطفل في المهد، تجلّت بأبهى زيّها يوم حدّثنا عنها العمّ عدنان، أبو حسام، بعيون وذاكرة الطفل الذي غفا على بيادرها يوم كانت اللجُّون اللجُّون…
كانت مساحة اللجُّون 400 دونم قبل النكبة، وقد كان عدد سكّانها 1,779 نسمة، مع أنّ هناك أرقامًا أخرى (1,340 نسمة)، ويرى العمّ عدنان، أبو حسام، أنّ اختلاط الأرقام جاء بسبب سكن عدد لا بأس به من سكّان القرى المجاورة والخليل في اللجُّون، حيث لم يُسجَّلوا كسكّان؛ فقد كانوا يأتون إليها للعمل في أراضيها.
بينما الناس نيامٌ..
يذكر العمّ عدنان الذي كان لا يزال في السادسة والنصف من عمره، والذي اضطُرّ إلى مغادرة اللجُّون قسرًا أسوة بالآخرين، أنّ احتلال البلدة كان بعد أن حصدوا البيادر، وبقيت الحصيدة موجودة (من قمح وذرة وغيرها)، وعادة ما يكون ذلك في آواخر أيّار. فيؤكّد العمّ عدنان أنّ عملية طرد الأهالي تمّت بين الفترة الواقعة بين أواخر أيّار ومنتصف شهر حَزِيران.
دخلتها العصابات مسلّحة من جبالها، من أراضي الروحة، وهجموا على القرى بدءًا من كافرين، الغبيّات، عين المنسي، وبعدها اللجُّون.. كانوا يقومون كلّ ليلة تحت جنح الظلام بإطلاق عيارات نارية لإخافة الناس وجعلهم يهربون.. فكانت النتيجة قتل 8 أشخاص واستشهاد 4 أو أكثر (واحد من العراق، اثنان من عائلة كبها وواحد من دار محاميد)، كانوا قد انضمّوا إلى صفوف جيش الإنقاذ العربيّ، فانسحب أهالي اللجُّون إلى جنين وغيرها من البلدات القريبة.
نهضة زراعيّة في اللجُّون:
كان سكّان اللجُّون يفلحون أراضيهم، ويزرعونها بجميع أنواع الحبوب، كالقمح، الذرة، والسمسم، والعدس وغيرها، كما كانوا يزرعون شجر الزيتون والصبر والتين والتوت..
شملت اللجُّون أربع حمائل (محاميد، إغبارية، محاجنة، جبارين)، وكانت تتمّ زراعة الأراضي بشكل دوريّ؛ حيث لكلّ حمولة دورها. كما كانوا يزرعون أرض مرج ابن عامر.
شهدت اللجُّون، في بداية سنوات الأربعين من القرن الماضي، نهضة زراعية، فدخلت البلدة عام 1946 ثلاثة حواويز ماء لريّ الأراضي الزراعية، حاووز يعود إلى الجبارين، وحاووز إلى الإغبارية، وحاووز إلى المحاجنة، إضافة إلى وجود عيون الماء: عين الحجّة، والتي كانت تضخّ الماء إلى الحواويز الثلاثة، وهي عين عُرِفت بأنّها من أفضل وأقوى ينابيع فِلَسطين؛ حيث كانت تشغِّل الطواحين التي كانت تقع على جانبَي الوادي، ووادي مخلوف وعين ووادي الستّ ليلى، الذي يسير حوالي 3 كم وينتهي آخره في عين الحجر، وغيرها (هناك ما يقارب 120 عين ماء تحيط بأمّ الفحم واللجُّون والقرى المجاورة). لكن لم يُكتب لها العيش في ظلّ أجواء النكبة.. فبعد قيام دولة إسرائيل قامت الأخيرة بحفر آبار ارتوازية لشفط الماء، وقد استغلّوها لمشروع المياه القطريّ، فأصبحت المياه في اللجُّون شحيحة!
وبما أنّ عيون الماء كانت متوافرة، فقد استطاع سكّان اللجُّون إنشاء 6 طواحين ماء خدمت كلّ مِنطقة المرج، وفّرها أبناء اللجّون؛ وإشادة بالنهضة الزراعية، فقد أُنشئت محطّات لضخّ المياه في كلّ حيّ من أحياء البلدة، ما سهّل الأمر على النساء اللّواتي اعتدنَ في بلدات أخرى الذهاب إلى عيون الماء لجلب الماء.
كما أحضر سكّان اللجُّون حصّادات لحصد المزروعات، و”شرّفتْ” البلدة الـ”كومابين”، وهي آلة ضخمة للحصد. كانت كلّ حَمولة في اللجُّون تحصد 50-60 طنًّا من القمح وغيره من المحاصيل سنويًّا! وكانت غلّة اللجُّون تُصدَّر إلى حيفا ويافا والقرى المجاورة.
اللجُّون ترفض الجهل
كما شهدت البلدة نهضة علميّة، فقد شملت مدرسة ابتدائيّة حتّى الصفّ الرابع، وكان معدّل التلاميذ في كلّ صفّ حوالي 30 تلميذًا؛ وهو عدد كبير جدًّا نسبة إلى تلك الأيّام، وإنّه خير دليل على إقبال الناس على العلم والتعلّم. كانوا يدرسون اللّغة العربيّة، الحساب، واللّغة الإنكليزيّة. وكان يتمّ استئجار غرف للتلاميذ حتّى يجدوا مكانًا مناسبًا للتعلّم.
ومن كان يرغب في الاستمرار في التعليم كان ينتقل إلى أمّ الفحم لإتمام الصفّ السادس (في أمّ الفحم عام 1951 تعلّم الأولاد مع البنات، وكان في الصفّ 12 بنتًا، أي ثلث الصفّ، تقريبًا). وبعدها تكون دروب التعليم مفتوحة لمن يرغب في التعليم في المراحل المتقدّمة، فمسعاه جنين أو طولكرم.
هذا إضافة إلى وجود صحّيّة؛ مركَز صحّيّ في البلدة، ووجود الداية، “كعب الغزال”، التي تعلّمت التمريض وأشرفت على الأمور الصحّيّة في البلدة.
طالِع عَحِيفا؟
اِمتلكت اللجُّون شركة حافلات تعاونيّة تعود إلى أشخاص من عائلة عودة والقبطي والمحاجنة، بدأت بامتلاك وتسيير 6 حافلات، حتّى عام 1947 كانت تمتلك الشركة التعاونيّة 16 حافلة! تصل خطوطها إلى حيفا، جنين، طولكرم، يافا، ونابلس.

خلّة السوق… نهضة تجاريّة
وصلْنا في نهاية الزيارة إلى مِنطقة تُدعى “خلّة السوق”، وهي مِنطقة واسعة جدًّا، كانت تُفتح كلّ يوم خميس لجميع تجّار مِنطقة مرج ابن عامر، لبيع الدوابّ، حيث كان يلتزم كلّ تاجر بدفع رسوم مشاركة في السوق، تُعطى لشخص يُدعى محمّد مهنّا.
…….
العمّ عدنان، أبو حسام؛ وهو العضو الفعّال في جمعية تراث اللجُّون، الذي احتضنته قريته وهو صغير، ويحتضنها اليوم بذاكرته بأدقّ تفاصيلها، وبدمعته وكلامه الشجيّ العذب، وفيما كنّا نصوّر نحن البلدة، كان هو يختزنها ملايين المرّات بوجدانه وروحه…

وتبقى اللجُّون.. ويبقى أهلها الحالمون بالعودة.. على مقربة “فَحجة ومدّة وقَمْريّة”..
نداء (1)

نداء (2)

نداء (3)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *