حين كانت فِلَسطين محتلّة!

مراسل حيفا نت | 06/09/2018

حين كانت فِلَسطين محتلّة!
جواد بولس
03(5)
أحاول منذ مدّة طويلة ألّا أمثل أمام المحكمتين العسكريّتين الموكلتين بمحاكمة الفِلَسطينيّين ومعاقبتهم بعد إدانتهم “كمجرمين” يستحقّون حياة السجون، فقط.
لقد بدأتُ مزاولة مهنة الدفاع عن المقاومين الفِلَسطينيّين ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ قبل زهاء أربعين عامًا.
كانت هذه عقودًا أربعة من التحدّي والشقاء؛ اِنتظرت فيها أصابع الربّ عساها تطلّ وتمطر الشرّ بحجارة عدلها.
أربعون خلت من عمر شعب لم يزل يعشق الغزالة وينام في عين القدر، لكنّه لم يرَ من السماء إلّا الغضب والظلم والنسيان.
لبستُ قميصًا أبيض وربطة عنق سوداء. لم أعتنِ بتصفيف شعري فتركته يلائم إحساسي في ذلك الصباح الثقيل.
صرت أكره تبديد وقتي في ساحة محكمة عوفر العسكرية، فاتّصلت بزميلي لأتأكّد من ساعة بدء جلسة الشبل شريف، فصدّق على ما كان.
وصلت في العاشرة كما كان طلب رئيس المحكمة، الذي وعد بأن ننهي جلستنا بسرعة بلا انتظار.
مشيت بتثاقل. كانت درجات الحرارة مرتفعة وكنت أتنفّس بصعوبة رغم أنّني تناولت أدويتي اليومية بالكامل. دخلت أوّل بوّابة كهرَبائية من دون انتظار ودخلت الثانية بالسهولة نفسها.
سلّمت بطاقة المحامي ودخلت بوّابة ثالثة، كان حارس ينتظرني وراءها وقد لاحظ أنّ شعري أشعث وأنّني لا أمشي منتصبًا كدأبي. لم أُطل المحادثة معه رغم شعوري بأنّه كان قلقًا فعلًا على صحّتي!
كلّ شيء في هذا الاحتلال قد تغيّر، إلّا شهيّته للقمع والبطش وإذلال الفِلَسطينيّين. كنّا نقابله كلّ يوم وجهًا لوجه، فقد كانت مركباته العسكرية تجوب شوارع المدن والقرى الفِلَسطينية وتنتشر روائحه وحواجزه في كلّ المفارق. جيشه يحكم ببساطير وخوذات، وجنوده يواجهون ببنادقهم شعبًا يزرع وينشد ولا ييأس؛ يعمل ويجوع ولا يهادن؛ يسجن ويموت ويقاوم.
حتّى بداية تسعينيّات القرن الماضي لم يعرف الفِلَسطينيّ كيف يكون الاحتلال مجازًا أو استعارة أو تجلّيًا للالتباس؛ فللاحتلال كان لون واحد؛ ورغم حلكته واجهه المواطنون بإرادة وعزّة وكرامة.
كانوا رغم القمع يسيرون نحو الهدف، ويتنقّلون رغم القهر بحرّية نسبية، ويكتبون على الجدران بألم وأمل، وحتّى دخولهم إلى إسرائيل كان مُجازًا إلّا للممنوعين من ذلك.
لم ينجح قادة إسرائيل، رغم جميع محاولاتهم، في القضاء على إصرار الفِلَسطينيّين في مقاومة الاحتلال ونضالاتهم من أجل كنسه؛ وقد فشلوا كذلك، رغم كلّ استثماراتهم الخبيثة في خلق قيادات محلّيّة “ڤيشيّة” متعاونة، تساعدهم على تحقيق مآربهم؛ ذلك لأنّ القيادات الوطنية تمسّكت بمواقفها الصارمة وبتأييدها لمنظّمة التحرير الفِلَسطينية وما مثّلته وعنته في ذلك الحين.
طمأنت الحارس على صحّتي ودلفت إلى “طريق الماعز”، وهي عبارة عن مسارب ضيّقة تحيطها الأسلاك وتتعرّج حتّى تُفضي في نهايتها إلى ساحة معدّة لأهالي الأسرى، فيها ينتظرون بداية جلسات أبنائهم.
سلّمت على والديّ شريف، فقابلاني بترحاب وأبديا رضًا من وصولي. كانا في منتهى الدماثة، مبتسمين مع أنّهما يعرفان ما ينتظر ابنهما؛ فهو متّهم بتنفيذ عملية طعن وقتل يهوديّ في أحد المتاجر.
أصغيا باحترام؛ ورغم تظاهرهما بالهدوء، شعرت كيف كان قلب أمّه يبكي وكيف كانت عينا والده تبحثان في عتمة الغابة عن مخرج قد ينقذ صغيرهما من النهاية الصعبة. عندما قرّر شريف تنفيذ العملية مع رفاقه كان عمره آنذاك أربعة عشر ربيعًا.
حاولت ألّا أكون مبدّدًا للآمال، لكنّني أفهمت العائلة أنّنا أمام مؤسّسة لا تُجيد إلّا ما يجيده المستبدّون؛ ففي ظروف عاديّة كان على القضاة أن يأخذوا بعين الاعتبار حداثة عمر الجاني ويحتسبوه سببًا لتخفيف الحكم، ولكنّنا هنا أمام واقع مغاير وأشخاص جُبلوا من طينة أخرى.
قاطعتني والدة شريف بصوت يشبه التنهيدة قائلة: “ولكن يا أستاذ لقد حكموا على قاصرين يهود قتلوا عربًا بأحكام خفيفة، فربّما يفعلون هذا مع شريف أيضًا”. كانت تقف أمامي ومنديل يلمّ شعرها، عيناها حزينتان وغائرتان في وجه فقد كثيرًا من نضرته. جلبابها يغطّي تعبًا وبقايا سهر قضته وهي تحاول أن تتذكّر ملابس ابنها وهو ذاهب إلى مدرسته وما كانت زوّادته، وتستحضر بسمته في ذلك الصباح الذي خرج فيه شريف ولم يعد، منذ أكثر من عام ونصف.
“ربّما” قلت، ووعدتها بأن أقاتل، جهدي، ومضيت كي أقابل شريفًا قبل نقله إلى قاعة المحكمة.
تعبت يداي من ملاطمة مخارزهم؛ رغم أنّني لم ألج هذا العالم، عالم اللّامنطق والقوّة الخرقاء والعبث، إلّا مصرًّا على أن أحوّل عجز الضحايا إلى ذخائر. فلا عدل تحت قبّة الاحتلال ولا خلاص في جحيمه؛ وأمام عنجهية الدبّابة، لندع الضمير يسجّل انتصاراته الصغيرة، عساها تستقدم الانفجار الكبير، وأمام “خوف الغزاة من الذكريات” لتتحوّل الخسارات إلى ربح في حساب التاريخ.
لم أشرح كلّ ذلك لوالديّ شريف، لكنّني طلبت منهما التحلّي بالصبر وبحكمته الخالدة، وتزويقه ببعض من براعة التأويل وسحر البيان، فنجاة ابنهم بعد العملية تُعتبر “انتصارًا”، خصوصًا إذا ما راجَعنا جداول الدم في حالات مشابهة.
كان يجلس محاطًا بسجّانين وبكثير من الكراهية. لون وجهه كلون الكستناء؛ يلبس البنّيّ مثل كلّ الأسرى؛ وعيناه تائهتان. بدا كأنّه لا يستوعب ماذا يدور حوله.
ألقيت عليه التحيّة وأفهمته ما نحن بصدده وما سيجري؛ ولوهلة شعرت بأنّه شخصية من روايات الخيال وأفلام الكارتون؛ كان يتحادث معي بنوع من النضوج غير المكتمل. عبّر عن ثقته بموقفي وتبسّم حين طلبت منه أن يفعل ليزيل آثار خوف حاول سجّانوه أن يكتشفوه على وجهه.
تركته وتوجّهت إلى قاعة المحكمة فجاءني القاضي معتذرًا عن التأخير، لكنّه وعد بأن تبدأ جلستنا على الفور.
أفهمني أنّهم يقومون بتنظيف قاعات المحكمة وفقًا لتعاليم دينهم التي تلزمهم بذلك. يقوم الجنود بتنظيف وتعقيم القاعات، ثمّ يتبعهم طاقم يرأسه قاضٍ ويُجري فحصًا دقيقًا لضمان سلامة النظافة.
ينتظر الجميع نتيجة فحص القاضي، فإذا ما أمر بإعادة التنظيف فسينتظر الجميع مجدّدًا تَكرار هذه العملية.
عدت إلى شريف فوجدته أكبر من ذي قبل. سألته ما إذا كان سيفعل ما فعله مرّة أخرى لو أتيح له ذلك؛ فانتفض كالمقروص ومدّ يديه إلى أعلى بحركة مستنكرة وقال لااا، بألف ما زالت ترنّ في أذني، ثمّ صمت. قلت له: إذًا لماذا فعلت ما فعلت؟ فأطرق ولم أسمع إجابته، لأنّ القاضي بعث إليّ بجنديّ يستدعيني إليه.
أخبرني القاضي، بنوع من الأسف، أنّ القاعة غير جاهزة، إذ يجب تنظيفها مرّة أخرى. لم أتبسّم مع أنّني كنت على حافة الضحك، لكنّني أجبته بعفوية مقهورة وعلى مسمع من بعض الزملاء: إن كان لا بدّ من تنظيف هذه القاعات فيجب تنظيفها من أمور أخرى؛ فدعونا، نحن المحامين، نفعل ذلك!
نظر إليّ بدهشة تشي بطرف احتجاج وقلب كفّيه بحركة تشبه الدعاء من السماء، فتركته غير مبالٍ.
دخلنا بعد ساعة كاملة إلى القاعة. وقف شريف أمام القضاة وأجابهم مشيرًا إليّ: يمثّلني جواد في هذه الإجراءات، وجلس؛ فبدأت الجلسة التي سيكون لها تتمّة بعد شهر.
غادرت المعسكر وبي حزنان، الأوّل على تيه جيل في شعاب من سراب، والثاني لأنّي في هذا اليوم بالذات، طويت عامًا آخر من عمر شقيّ؛ في دنيا صارت تفيض مرارة وتعبًا وخرابًا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *