هل يمكن للحاسوب أن يحلّ محلّ الإنسان؟

مراسل حيفا نت | 13/07/2018

الـﭙـروفسور الأب يوحنّا نادر بشوتي، الذي يعمل في معهد العلوم التطبيقيّة – “التخنيون”، يُعتبر من العلماء على مستوى العالم الذين يعالجون السؤال:
هل يمكن للحاسوب أن يحلّ محلّ الإنسان؟
حاوره: نايف خوري
unnamed (5)
بدأ الأب نادر بشوتي حياته التعليمية في مدرسة راهبات الناصرة، وهو ابن لأبوين يعملان ما بوسعهما لتوفير لقمة العيش لأولادهما، وترعرع في عائلة حاضنة لأولادها. بعد تخرّجه في هذه المدرسة في المرحلة الابتدائية انتقل لإتمام الدراسة الثانوية في الكلّية الأرثوذكسية العربية، لا سيّما أنّه كان يعاني من ذاكرة ضعيفة جدًّا، فلم يكن بوسعه مجاراة زملائه أو اللّعب معهم. وكان طالبًا منزويًا نظرًا إلى ضعف ذاكرته وعدم تمكّنه من تذكّر أسماء أترابه. وتوجّه بعد الكلّية الأرثوذكسية العربية إلى معهد العلوم التطبيقية – “التخنيون” لدراسة الحاسوب. ونال اللّقب الأوّل في الحاسوب والرياضيات، والثاني والثالث في الحاسوب. تزوّج وسافر إلى كندا وحصل هناك – بعد خمس سنوات – على لقب ﭘـروفسور كامل. وعاد إلى البلاد بعد تسع سنوات من الغياب.
أنت كرجل علم كيف جاءتك الفكرة لتصبح مؤمنًا ثمّ كاهنًا؟
أنا ولدت في بيت مؤمن، متواضع، وأمّي تصلّي وتذكرنا في صلواتها. ولكن بدأت فكرة الإيمان العميق تراودني في كندا، بعد أن نلت أعلى درجة علمية، ﭘـروفسور كامل، حيث أخذت أبحث في سبب وجودي في هذا العالم، وحقيقة هذا الوجود، ولم أتعامل مع هذا كأمر معطًى ومفروض أن نقبله ونصدّقه كحقيقة. وانطلقت من عدم إيماني بأيّ شيء، تساءلت مع الله بأنّي إذا آمنت فهو سيثبّت لي إيماني. وشعرت بدافع يشدّني للعودة إلى البلاد لأنّ لديّ رسالة ينبغي تحقيقها، فأرسلت إلى “التخنيون” أبلّغهم برغبتي في العودة، رغم المكانة العلمية والاجتماعية المرموقة التي حظيت بها مع زوجتي في كندا. وجاءني الردّ من “التخنيون” بالموافقة على أن أعمل فيه بالدرجة نفسها التي أعمل فيها في كندا. وكان هذا تأكيدًا على مشيئة الربّ أن أعود إلى البلاد. وهكذا أصبحت أوّل عربيّ في البلاد يحمل في مواضيع العلوم هذه الدرجة العلمية، وأعمل في “التخنيون” بوظيفة ثابتة وكاملة.
بما أنّك رجل علم، ورجل دين، ألا تجد تناقضًا بين الاثنين؟ كأنّك تنقض المقولة المألوفة: إنّ رجل العلم لا يمكن أن يكون رجل دين؟
قد لا يعرف الجمهور بوجود عدد هائل من العلماء المؤمنين، أو رجال الدين العلماء. ولكن نجد نسبة المؤمنين بين العلماء كنسبة المؤمنين في أوساط الشعب العاديّ. فلا يوجد أيّ تناقض بين العلم والإيمان. والعلم يؤكّد حقيقة وجود الله، وكيف صار هذا الكون قائمًا، منذ الانفجار العظيم، وتكوّن الكواكب وغيرها، نجده واردًا في سفر التكوين بشكل رمزيّ، طبعًا.
ما هو الموضوع أو المواضيع العلمية التي تعمل فيها في “التخنيون”؟
موضوعي هو الحاسوب، وأبحث في السؤال: هل يمكن للحاسوب أن يحلّ محلّ الإنسان؟ وهذا موضوع واسع النطاق، وأنا أعمل في مجال فرعيّ، حيث نعالج المشاكل التي لم يتوصّل إليها علماء الحاسوب بعد، وهي كثيرة، ويجب أن نبرهن هل يمكن للحاسوب حلّها أم لا. وهناك عالم يدعى غيدل، برهن علميًّا أنّ هناك العديد من المشاكل التي لا يمكن حلّها لا بالحاسوب ولا بأيّ شيء آخر. وهناك نظريّات حسابية لا يمكن التوصّل إلى حلّ لها لا بمرور الزمن ولا بتطوّر الحاسوب.
وإلى أين تتّجه الأمور؟ هل هناك تقدّم في هذا المجال؟
نسعى – على الدوام – لنجعل الحاسوب يتجاوب معنا بسرعة أكبر، وبحكمة أكثر، بل أقرب ما يكون من الإنسان. فمثلًا، بالنسبة إلى السرعة، فإنّنا نعلم أنّه يستحيل أن تزيد سرعة الحاسوب عن سرعة الضوء، رغم الاعتقاد النظريّ أنّ سرعة الحاسوب، اليوم، تتزايد وتتسارع، لكنّنا لا نزال نقف بعيدًا عن سرعة الضوء.
unnamed (4)
هل يمكن أن نورد بعض الأمثلة على ذلك؟
نحن نعمل في مجال نظريّ أكثر ممّا هو عمليّ على أرض الواقع. ولكن أحد الأسئلة المطروحة: هل يمكن للحاسوب قراءة قصّة، أو تلخيص قصّة؟ الإنسان يمكنه ذلك، أمّا الحاسوب فلا. فماذا يحتاج الحاسوب كي يقوم بأعمال تصعب عليه في الوقت الراهن، رغم أنّ بعض العلماء يعتقدون أنّ الأمر ممكن في وقت ما مستقبلًا؟ يتعلّق هذا بالإرادة الحرّة للإنسان، حيث إنّ الإبداع يأتي نتيجة إرادة الإنسان الحرّة، فيختار ما يريد من سبل الإبداع، وحتّى تلخيص القصّة من أيّ كتاب. وهذا يندرج في إطار الإبداع. وهناك من يعتبرون الإبداع مسألة ميكانيكية، وبالتالي يستطيع الحاسوب أن يبدع، بينما ثمّة من ينكر أنّها عملية ميكانيكية أو تقنيّة بل نابعة من رغبة الإنسان وإرادته.
يبدو أن الحاسوب سيسيطر على جزء كبير من حياتنا.
صحيح، ولكن يجب توضيح ذلك، فكلّ الأعمال الميكانيكية والتي لا تحتاج إلى إبداع أو تفكير، ومواهب إنسانية خلّاقة، نضعها في الحاسوب، وهو يقوم بها تقنيًّا. لأنّ الإنسان يبرمجه ويلقّنه الخطوات الواجب اتّباعها، فيقوم بها. إذًا، يحلّ الإنسان المشكلة ويرتّب الحلّ كخطوات في الحاسوب. مثلًا صناعة السيّارات، إذ نجد المصمّمين يرسمون ويخطّطون شكل السيارة، ويزوّدون الحاسوب بالمعطيات اللّازمة، وهو ينفّذها ويبني السيارة ويجمع أجزاءها وتخرج جاهزة بدون تدخّل إنسان. وقد يقترح الحاسوب تصميمات مختلفة، ولكن الإنسان هو من يقرّر في الأمر. ولذا نجد كلّ الأعمال الميكانيكية في العالم توضع في الحاسوب وهو يقوم بالمهمّة.
ما هي الإنجازات التي يمكن للحاسوب أن يساعدنا بها في حياتنا؟
بالنسبة إلى السيّارات، مثلًا، هناك بعض المحاولات التي تجعل السيارة تسير بدون سائق، كما هناك طيّارات بدون طيّار، ولم ينجح بعد مشروع السيّارة بدون سائق، لأنّ الشوارع والطرقات لا تلائم هذا النوع من السيّارات، بل يجب أن يكون للإنسان نظرة واعتبارًا لظروف الشارع والاتّجاهات. ذلك رغم وجود سيّارات يمكنها أن تركن وحدَها بدون تدخّل السائق. فهذه عملية ميكانيكية، ولا بدّ أن يأتي يوم حيث سيتغلّبون على هذه الصعاب.
ما مدى التقدّم الذي طرأ على عالم الحاسوب مقارنة بالماضي؟
الفرق كبير جدًّا، فإنّ العلماء الشباب سبقونا بإنجازاتهم خلال وقت قصير نسبيًّا، ونحن اجتزنا تلك المراحل في وقت أطول. وقد حقّق العلماء الشباب إبداعات خارقة نظرًا إلى أنّ الأشغال الميكانيكية أصبحت أقلّ، بينما الأعمال التي تحتاج إلى التفكير والإبداع تزيد أكثر. لأنّ العلوم تطوّرت أسرع ممّا كان قبل ثلاثين سنة، مثلًا، في مجال الرياضياّت والحاسوب. اُنظر إلى خرّيجي المدارس الثانوية العربية، كنت تجد طلّابًا يعدّون على الأصابع، ممّن يلتحقون بالتعليم الأكاديميّ، بينما اليوم يزيد عدد هؤلاء الطلّاب عن 20%.
إلى أين يتطلّع العلم في التعامل مع الحاسوب؟
سنجد عالم الحاسوب بعد أربعين سنة يختلف تمامًا عن الوضع اليوم، والتطوّرات التي تجري اليوم لا يمكنهم طرحها لاستعمال الجمهور لسبب تكلفتها الباهظة، ولكنّها ستصبح زهيدة في المستقبل. ونحن نجهل ما سيحدث بالضبط، لأنّ التقدّم سريع وشامل. ولدينا برنامَج يسمّى الدراسة المعمّقة Deep Learning حيث يمكن للحاسوب أن يتعرّف عليك من صورة وجهك، وعندما ستفتح الحاسوب لن تحتاج إلى كتابة الرمز أو “الكود” بل سيتعرّف على جميع مواصفاتك، كما يمكن – في المستقبل – أن تحمل شريحة معدِنية وعليها كلّ المعطيات الشخصية عنك وحسابك المصرفيّ، وحتّى بطاقة الاعتماد، كلّ ذلك سيكون في هذه الشريحة. وستكون هذه بمثابة هُويّة الإنسان المتاحة في العالم.
أنت تقوم ببرنامَج إعداد علماء شباب عرب في “التخنيون”. كيف يتمّ ذلك؟
بدأت هذا المشروع قبل ستّ سنوات، لتشجيع الطلّاب العرب على القيام بالأبحاث العلمية الأكاديمية. لأنّنا نجد كثيرًا من الخرّيجين بعد حصولهم على اللّقب الأوّل يتوجّهون إلى سوق العمل وبناء حياتهم العائلية الجديدة. ولذا أقوم باختيار طلّاب الصف العاشر من عدّة مدارس ثانوية، وأدرّسهم بمستوًى جامعيّ، ليس كلّ المواضيع والموادّ، بل تلك التي يحتاجها الطلّاب في المستقبل، ويقوم الطلّاب بإجراء دراسات وأبحاث علمية. وقد أخذت طلّابًا من مدرسة راهبات الناصرة ومن الكلّية الأرثوذكسية العربية في حيفا، ومن مدرستَي المخلّص ومار يوسف في الناصرة. كلّ سنتين أختار بعض الطلّاب، وأقوم بتدريسهم، لأنّ التعليم يتمّ على مستوًى جامعيّ تمامًا. ونقوم بإعداد الأبحاث والدراسات التي يقدّمونها في المؤتمرات العلمية العالمية. وهكذا أصبح يشارك كلّ سنة طالب من عندنا في أحد المؤتمرات العلمية، ويقدّم بحثًا بمستوًى عالميّ، ويساهم الطلّاب في هذه الدراسات على الصعيد العلميّ. فمثلًا أعمل الآن مع أحد الطلّاب الموهوبين من الكلّية الأرثوذكسية العربية، واسمه جورج حدّاد، وقد سافر قبل مدّة إلى جزر الكناري وقدّم بحثه في المؤتمر العلميّ هناك. ولا أزال أرافقه في بحث جديد سيقدّمه في المؤتمر القادم.
unnamed (6)
هل المجال مفتوح للمدارس بالتواصل معك وإجراء هذه الأبحاث؟
بالتأكيد، أنا أشجّع جميع المدارس الثانوية لترسل طلّابها، أو لتشارك في هذا البرنامَج البحثيّ على مستوى العلماء في العالم. كما أنّني مستعدّ لمرافقة هؤلاء الطلاب والإشراف على أبحاثهم ودراساتهم واشتراكهم في المؤتمرات العالمية الأكاديمية، التي تأتي كلّها في نطاق علوم الحاسوب. نحن نبحث الآن موضوع برمجة الحاسوب في حلّ مشاكل طبّية، مثل فحوصات الدم وفحوصات طبّية أخرى في جسم الإنسان، وكذلك في مجالات علمية متنوّعة. ففي شهر أيلول القادم سأبدأ مع فوج من طلّاب صف العاشر لعامين، وبعدها سيتابعون دراساتهم في “التخنيون”. أغلبيّة طلّابي اليوم موجودون في “التخنيون” ويحصلون على المنح الدراسية لتفوّقهم.
لنعد إلى مجالك الكهنوتيّ، هل تقوم بنشاطات في أوساط الشباب والطلبة على المستوى الروحيّ؟ وخصوصًا مع جماعة “يسوع فرحي”؟
نعم، أوّلًا ألتقي الشبيبة الجامعية بين الحين والآخر، نقيم الصلوات الخاصّة، في “التخنيون” مثلًا، وأنا بمثابة المرشد الروحيّ لهؤلاء الطلبة. وأمّا جماعة “يسوع حيّ” فتشارك في أمسيّات روحية وفنّيّة بين الرعايا، وأمسيّات صلوات وتأمّل روحيّ.
ولكن تقومون بنشاط مميّز في حيفا.
صحيح، نجتمع يوم الجمُعة الأوّل من كلّ شهر في جبل الصلاة، وهو دير راهبات الناصرة في حيفا، ونبدأ في الساعة السابعة مساء ونستمرّ حتّى الواحدة والنصف بعد منتصف اللّيل، وتتضمّن الأمسيّة تلاوة المسبحة الوردية بأسرارها، قراءة فصول من المزامير، ترانيم وتراتيل شبابية، وصلوات وتأملات خاصّة. ثمّ نقيم قدّاسًا في الكنيسة هناك، حيث يكون بالطقس اللّاتينيّ، أو المارونيّ، أو الكاثوليكيّ، أو يأتينا كاهن أرثوذكسيّ للوعظ.
ماذا تستخلص لنفسك أوّلًا، ولغيرك ثانيًا، ممّا اجتزته من خبرات وتحوّلات ومن اتّخاذك القرار لتصبح ما أنت عليه اليوم؟
منذ صغري، بدون أن أكون فاهمًا لخبايا الأمور الدينية، كنت أتساءل على الدوام عن سبب وجود كنائس وطوائف متعدّدة، وما وجه الاختلاف، ولكن اهتمامي ينصبّ الآن على الاجتماع معًا، رغم الاختلافات، وأن نلتقي كأبناء جميع الكنائس والطوائف، وأن نعيش محبّة يسوع، وأن نتفاهم معًا في سبيل الحياة المشتركة.
أشكرك أبونا [أبانا] على هذا الحديث الصريح.
عفوًا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *