روضة غنايم: مسار في أزقة وادي النسناس، بين الحاضر والذاكرة

مراسل حيفا نت | 29/12/2017

حيفا في ناعورة الزمان/حاراتٌ، بيوتٌ وناس (20)
روضة غنايم مصوّرة، باحثة وكاتبة في المجال التوثيقيّ – حيفا
روضة غنايم: مسار في أزقة وادي النسناس، بين الحاضر والذاكرة
مع نهاية عام 2017 أكون قد قدمت للقرّاء الأعزاء عشرين مقالاً في زاويتي الأسبوعية
“حيفا في ناعورة الزمّان، حارات،بيوت وناس”، وفي هذه المقالات تطرّقت ووصفت مشواري التوثيقيّ في حارات حيفا. وأطلعت القرّاء على قصص من الموروث الاجتماعي والثقافي للمدينة، وذلك من خلال وصف المكان وحياة الناس بصورة قصصية توثيقيّة، لكي نتعرف على تجاربهم ومساهمتهم في بناء المجتمع التي قلما تحدثنا عنها عندما نسرد قصّص التاريخ. فارتأيت في مقالتي الأخيرة لهذه السنة أن أكتب عن تجربتي الشخصّية مع وادي النسناس.
العيد
5
يعتبر العيد عامةً يوم الاجتماع والوحدة بين الناس ويعبّرعن سرور وفرح، هو ما يعود على الناس كل عام وجمع كلمة عيد أعياد. يُحتفل في العيد بذكرى عزيزة أو دينيّة أو تاريخيّة. العيد عند جزء من الناس هو بهجة قيد الانتظار واشتياق للفرح. والعيد يعني للجميع،وخاصةً للأطفال: ملابس جديدة، حلوى، نزهات، هدايا وأمور أخرى محببة عندهم. أما العيد الذي أودّ التحدث عنه في هذا المقال هو مهرجان “عيد الأعياد”: فهو تقليد سنوي في حيفا منذ أربعة وعشرين عاما.ويجري في حي وادي النسناس. ويستقطب هذا المهرجان عشرات الآلاف من الزوار من مختلف أنحاء البلاد.
يرمز هذا المهرجان ويؤكد على الحياة المشتركة والتآخي والتآلف بين مختلف سكان حيفا، وهذه هي شعارات كبيرة ورنانة. نعم شعارات تخفي وراءها حقائق مخيفة.
وقد نصبت هذه الشعارات والرموز لثلاثة أديان، المسيحية واليهودية والإسلامية، على أحد جدران مباني “بيت الكرمة” الذي ينظم هذا المهرجان بالتعاون مع بلدية حيفا. ونرى الرموز أيضًا منصوبة في أحد ميادين”جادة بن غوريون” التي كانت تسمى سابقاً “جادة الكرمل”. وهذه الشعارات والرموز التي تنادي “بالتعايش”، لا تمتّ للواقع بأي صلة عدا حقيقة واحدة وهي أن حيفا يقطنها ناس من مختلف الأديان. في الواقع السكان العرب في حيفا يعانون من التمييز الممنهج. ووادي النسناس تحديداً يعاني من هذا التميز في جميع المجالات.الحيّ يواجه الاندثار. ألا يحق أن ترمم البلدية مباني وادي النسناس وأن تحافظ على هذه البنايات التاريخية التي بنيت من حجارة صخر جبل الكرمل، وعمر عدد من هذه البنايات تجاوز المائة عام، فالبيوت جبلت كما جبل الإنسان من ذات الطينة والطبيعة.
إلى متى سيبقى حي وادي النسناس “فرجة للناس”؟ويحولون بؤس الناس إلى “متحف عربي” فيه جميع الألوان من الحلويات المأكولات والأغراض! من رحم هذا الحيّ العريق خرج الأدباء والشعراء والفنانون الفلسطينيون، وعاش الناس في المدينة فيما مضى معاً دون تمييز بين الأديان.
6
إغتيال روح المدينة
اغتالوا روح مدينة حيفا في عام 1948وذلك قبل النكبة، كانت حيفا مدينة تجمع خليطا من السكان والألوان البشرية. وللأسف اتبعوا سياسة “فرّق تسد” بين الناس، بالتوازي مع دمار معالمها الثقافية والتاريخية التي ضمّت الإنسان والحجر معاً. وللأسف سياسة التهميش لتاريخ حيفا، وخاصةً تاريخها العربيّ، مستمر حتى يومنا هذا.فمثلاً حيّ وادي الصليب لم يبق منه سوى بقايا أطلال وتمّ تهويده، وحيّ المحطّة الذي ينتظر تخطيط المخطط لتحويله لمركز سياحي يقطنه الأغنياء، وأما حيّ وادي النسناس فهو أحد الأحياء القليلة في حيفا التي يحافظ على النمط العمراني والحياتي العربيّ.
وكانت حيفا قرية صغيرة، تطوّرت بشكل سريع على مدى القرن التاسع عشر، لتصبح مدينة مركزية تربط مابين أوروبا والعالم العربيّ.عن طريق سكّة حديد “الحجاز” والميناء.واستثمرت أموالا عربيّة في تطوير المدينة من ناحية سياحية وتجارية وصناعيّة مثل عائلة قرمان، البوتاجي والخيّاط وغيرهم. كانت حيفا أيضًا قبل النكبة غنية جدا في النتاج الثقافي، كان يصدر فيها ما يقرب من ثلاثين صحيفة ومجلّة عربية، ومكتبات عامة تكدّست فيها الكتب والمجلات القادمة من كل أنحاء العالم العربي. وكان يؤمها أهل الفن من مختلف الدول العربية، وقد أحيوا فيها حفلات من مطربين ومطربات من العالم العربيّ، وكذلك عرض على خشبة مسارحها مسرحيات لكبار المخرجين والممثلين العرب.وكانت المدينة تعجّ بدور السينما، كما انتشرت فيها المقاهي.
مشوار في مُخيلتي
في أحد الأيام، قبل سنوات عديدة عندما زرت حي وادي النسناس.وبعد هبوطي من درج الوادي استوقفني صوت وقصّص لأشخاص عاشوا هنا في الماضي، بقيت منهم قصّص وذكريّات، وعندما كنت أسير بين البيوت التي هُجّر منها سُكانها. بدأت أتحدّث في مُخيلتي مع هؤلاء الناس الغائبين عن المكان والحاضرين في ذاكرتنا. وذاكرة أحد هؤلاء الناس محفورة اسماؤهم على مداخل البيوت..بعد مروري من جانب بيت الشاعر حسن البحيري أصغيت بداخلي لقصته الصعبة، التي تحداها في غزارة أدبه، وتذكّرت أشعاره التي وصف فيها حبّه لحيفا. وتقدّمت في مسيرتي حيث وصلت بيت المناضل داوود تركي (أبو عايدة) فأصغيت من خلال حجر البيت لقصة نضاله،محاكمته في عام 1973 بتهمة محاولة إقامة تنظيم كفاحي سرّي يهودي عربي. وبعد ذلك أكملت مسيرتي إلى فرن أبو أنطون النجار، وليس بعيداً عنه دعاني الشاعر أحمد دحبور إلى شقّته خلف الفرن لنشرب الشاي، وسرد لي قصّص أمّه أمينة عن حيفا، وعن بحر حيفا الذي كانت تجلبه خصيصا له وتنشره في المخيم، وفي الليل تقفل أمه البحر، وترسله في “الحنطور” إلى حيفا، وعن جبل الكرمل الذي كان يمشي كل سنة سبعة أمتار. كان حديثاً شائقًا لم أرده أن ينتهي. استأذنت وأكملت مشواري، وإذ بالشاعر الثوري والمقاوم ضد الظلم نوح إبراهيم، متوجهًا عائداً إلى بيته، فسلّمت عليه وتبادلت أطراف الحديث معه عن أبطال سجن عكا، عن الثورة عام 1936. وأكملت مسيرتي الخياليّة ورأيت الأطفال يحملون على رؤوسهم الخبز والكعك متجهين إلى فرن أبو محمد. والتفت جانباً حيث مطبعة “الاتحاد” المقابلة للفرن، وهناك لمحت المناضل عودة الأشهب، فدخلت لأسلّم عليه، بعد حديث مثير معه لاحظت أن المكان كان يعجّ بالناس لطباعة الجريدة. بعد ذلك نزلت إلى شارع ماريوحنا،إلى مكتب إميل حبيبي فبعد أن استقبلني، بدأ يبوح لي ويخبرني عن بديعة وأم نعيم، عن زنوبيا النوريّة الحسناء وما فعلته في حيفا. كل هذه الأحاديث الشائقة جعلتني أتعطش إلى سماع المزيد. فعدت إلى شارع الوادي لأرتوي من بئر الذكريات بملامح مضخة ماء الحاج حسن بكير.
ماذا لو يعود الزمّان
وقفت في الوادي ساكتة ومتأملة في ما لو.. لو استطاع اللاجئ أن يرجع إلى بيته، لو استطاعت الأم ترك البحر في مكانه ليسبح به أولادها متى شاؤوا، لو استطاع الكاتب أن ينهي قصته، ولواستطاع الحيّفاوي أن يحيي تراثه الثمين؟ فخرجت من الوادي محمّلة بالقصص الكثيرة التي تحكي تاريخ وذاكرة الشعب العربي الفلسطيني الذي أقتلع وطرد من وطنه.
عرض شو العلاقة
هذا المنتوج والمخزون الثقافي لا يظهر في مهرجان”عيد الأعياد”.ما يظهرونه هو نوع واحد من تراثنا العريق الذي يتعلّق بالمأكولات فقط، حيث نرى في هذا اليوم أفواه الزائرين وهم يلوكون مختلف الأطعمة العربية، وكأنهم يتذوقون بها نشوة “التعايش” للحظات، خاصة من اليهود. وكأن حضارة العرب تنحصر بالأطعمة فقط. وهذا يكرّس الصورة النمطيّة الموجودة في عقل اليهودي.
2014
في نهاية عام 2014 قرّرت بشكل فردي ومبادرة شخصية مني بدون أي دعم مادي أن أعبّر عن استيائي من فكرة هذا المهرجان الذي لايمثلني ولايمثل الموروث الثقافي الفلسطيني لمدينتي حيفا. فقمت بعمل عرض، “برفورمينس” بعنوان ” شو العلاقة” أي ما علاقة ما يحدث في هذا المهرجان وبين تاريخ وحضارة سكان وادي النسناس.
وصف العرض
وقفت في مدخل الحي في بداية شارع الوادي من زاوية شارع الخوري، اعتليت حجرا عاليا، بلباس أسود، عليه سبع قطع ورقية، تحوي تساؤلاتي باللغتين العربية والعبرية، وهي: عيد الأعياد مرّة في نهاية السنة،شو مع بقية أيام السنة؟ ماذا تعرفون عن تاريخ وتراث الواد غير “الحمّص والفلافل”؟ هل تعرفون مثلاً: نوح إبراهيم، حسن البحيري، أحمد دحبور..ألخ؟ عمارات الوادي التي أرقامها 43، 38، 52، 26، .. ألخ ماذا تعني لكم أو ماذا تعرفون عنها؟ إلى جانب التساؤلات َحضّرت بطاقات شرحت فيها عن تاريخ الواد، ونبذة عن شخصيات فلسطينية عاشت وعملت في الحيً. وضعت هذه البطاقات في سلّة تواجدت بجانبي، وبطاقات السلة هي رمز للغذاء الروحاني الذي أردت أن أطعمه للمارين. أحيانا حملت السلة بين يديّ.
تفاعل الناس
ثمة ناس مرّوا، تطلعواومضوا. وآخرون وقفوا واهتمّوا، سألوني وحاوروني. وغيرهم أخذوا بطاقات وذهبوا يبحثون عن البيوت ليتعرفوا على مواقعها. ومنهم من أثرت لديهم تساؤلات أخرى، فمثلاً من حوارات الناس كانت إحدى المقولات الأكثر ترديدا هي: “معك حق في طرح الأسئلة، لا نعرف عن الوادي ولا نعرف أي شيء سوى المأكولات. كان الملفت للنظر، أن عدم المعرفة لم تنحصر فقط على الزائرين اليهود، وإنما أيضا على العرب، وقالوا نحن محرجين لعدم معرفة تاريخنا. وهذا كان للأسف ينطبق على قسم من سكان الوادي.
مشهد حليمة
إحدى الصور المعبّرة لانتقادي لفحوى المهرجان هي صورة التقطتها في كاميراتي، والصورة تظهر المشهد التالي: سائح يسلّط الكاميرا على امرأة عجوز، تطلّ من الشرفة على الجمهورالذي يمتد في الشارع أمام بيتها. وكأنها ليست جزءً مما يحدث حولها. آلمني منظرها حيث أصبحت “فرجة للناس”.وهذه الصورة التقطتها عندما زرت هذه المرأة المسنّة حليمة لتوثيق قصتها.
يوم حصار
والمهرجان يسببّ الضيق أيضا لأهالي الوادي. نظرًا للحواجز التي تنصب في هذا المهرجان في الوادي، ويضطر سكانه وزواره في أيام السبت، إلى الخضوع للتفتيش عند عبور الحواجز، وتحيي هذه الإجراءات في نفوس أهل الحي ذكريات قديمة وأليمة من أيام الحكم العسكري البغيض، ولهذا فإن السؤال المطروح لا يكمن في “التعايش” لأن التعايش على رقعة هذه الأرض قائم، بل كيف نتعايش؟ وهل نستطيع أن “نتعايش”.. ويكمن أيضاً بأبسط حقوق الحياة المهضومة التي لم نحصل عليها بعد؟
وهل تم تقييم هذا “العيد” ومدى تأثيره على كيفية “التعايش” بين العرب واليهود في حيفا؟
بحسب رأيي”عيد الأعياد” لا يستطيع صنع “التعايش” لأنه عيد مفتعل، هدفه تبييض وجه المدينة أمام العالم لتحقيق المكاسب والأموال الوفيرة من وراء الناس.
الحاجز
3
يضاف إلى هذا فإن عملية التفتيش وإبراز الهوية شيء مقيت جدا. وقد طلبوا من أحد الشباب، وهو من سكان وادي النسناس إبراز هويته، ولأنها لم تكن بحوزته منع من الدخول، ومن الطبيعي أن مثل هذه الإجراءات تعود بالأذى النفسي على المواطنين، ناهيك عن الإزعاج والأصوات العالية التي تقلق الجميع.
عبرت بصرخة احتجاجيّة فكريّة
3 (1)

4 (1)
في بحثي الميداني طرحت سؤالاً على مجموعة من الزائرين لوادي النسناس في هذا اليوم عن سبب مجيئهم، وكانت إجابتهم بأنهم يأتون ليستشعروا أجواء عيد الميلاد في حيفا، بدلاً من السفر بعيداً إلى الدول الأوروبية. وأجاب أحدهم بأنه يأتي ليتذوق الطعام العربي لأنه يذكّره بطعام والدته المرحومة من أصول عراقية. واضح من إجابتهم أنه مجرد “فرجة”، لا أكثر ولا أقل، كما بيّنت في بداية هذه السطور.ففي النهاية ما قمت به هو صرخة احتجاجية لواقع مؤلم وغيرعادل في المدينة، التي تحولت بالقوة من عربيّة إلى عبريّة.خرجت بجسدي لأقول للناس: الوادي ليس أكلا، ولا شربا ولا زينة فقطّ، الوادي فيه ناس وقصّص،تاريخ وتراث،الوادي أخرج كتّابا، مناضلات، شعراء وثوارا ثاروا على ظلم المُحتل. كل همّهم كان أن نعيش بكرامة،أحبّوا الوطن وورّثونا حبّهم. من واجبنا على الحفاظ على تراثنا المعماري والحضاري في مدينة حيفا، وخاصةً الأحياء العربية مثل وادي النسناس. فكلّي آمل في السنة القادمة تكون سنة التي نستطيع أن نفعل للحفاظ أو لإنجاح هذه المهمة. أرجو لجميعنا سنة خير.

E- rawdagniam@gmail.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *