روضة غنايم: نائلة حنا نقارة وبيت الشعب في وادي النسناس،شارع الخوري 23

مراسل حيفا نت | 12/11/2017

حيفا في ناعورة الزمان/حاراتٌ بيوتٌ وناس (13)
روضة غنايم مصوّرة باحثة وكاتبة في المجال التوثيقيّ – حيفا

روضة غنايم: نائلة حنا نقارة وبيت الشعب في وادي النسناس،شارع الخوري 23
(الجزءالأول)
مقدمة
عائدون على جناح الطير إلى حيفا، وحيفا هي الروح والقلب.هنالك من عاد جسديًا ومنهم من عاد في المخيّلة. تبقى العودة حقا لكل لأجيء طُرد قسراً من موطنه. وما قيمة الوطن بدون الإنسان. عادت طفلة ابنة خمسة أعوام إلى حيفا تسللاً، ذائقة الرعب والخوف من ظلمة الطرقات الوعرة. لولا إيمان والدها وشجاعته، لبقيت تكبر يوماً بعد يوم على حُلم مثل آلاف اللاجئين.
قبل فترة زرتُ السيدة المربية نائلة نقارة – أبو منّة (أم الرائد) في بيتها الواقع في شارع الجبل 84أ واستمعت إلى قصّة حياتها على مدار زيارتين. في إحدى هذه الزيارات انضم إلينا زوجها البروفسور المؤرخ بطرس أبو منّة. وهذا الأسبوع قمت أنا ونائلة بجولة إلى البيوت التي سكنتها العائلة في حي الألمانية، حيّ عباس وحيّ وادي النسناس. وحدّثتني نائلة قائلةً:”انتقلت كطفلة ابنة الخمسة أعوام مع عائلتي إلى السكن في حيّ وادي النسناس في حيفا، في بيت يقع في شارع الخوري 23 في الطابق الثاني. وأضافت:”كان بيتنا كبيرا وواسعا، ووالدي المحامي حنا نقارة لم يكن فقط محامي الشعب، فبيتنا كان معروفا كبيت الشعب، عشت في هذا البيت حتى زواجي في عام 1967″.
ولكن قبل أن أتحدث بشكل مُفصّل عن حياة نائلة والعائلة في حيّ وادي النسناس، سأسرد في هذا الجزء مشوار حياتها وحياة عائلتها،الذي سبق استقرارهم في حيّ الوادي حسب التسلسل الزمنيّ. وهذه السرديّة تعبّر عن الصمود والإصرار في البقاء في حيفا. فبإرادة وإيمان ومجازفة والدها تحقّقت عودتهم إلى حضن الوطن بعد تشرّدهم القسري في عام 1948.

نبذة عن عائلة نقارة
نائلة هي ابنة المحامي حنا ذيب نقارة، الذي عُرف بمحامي الأرض والشعب. ولد حنا نقارة في عام 1912 في قرية الرامة الجليلية.وسجلّته العائلة من مواليد عكا لأن سجلّ النفوس التركية للعائلة كان في عكا. انتقل للعيش في حيفا مع عائلته في عام 1919. وتوفي فيها عام 1984 ووالدة نائلة طيبة الذكر المرحومة السيدة أليس مبدى بهو من مواليد مدينة حيفا عام 1913 وهي ابنة ظريفة عمة حنا نقارة.
وفي عام 1936 تزوج حنا وأليس وسكنا في بيت في شارع المخلّص (“ي. ل. بيرتس” اليوم) وفي عام 1939 أنجبا شقيق نائلةالأكبر عصام، أنطوان الذي عُرف باسم طوني.وتوفي طوني في عام 2001 نتيجة جلطة دماغية.وكان يعمل مهندساً.
طفولة نائلة في الكولونية الألمانية
وبعد سكن العائلة في شارع المخلّص انتقلت للسكن في بيت في شارع مادر “لوحمي هجيتئوت 24” اليوم. في الكولونية الألمانية. وفي هذا الحيّ ولدت السيدة نائلة في عام 1943.وعاشت هُنا حتى جيل أربعة أعوام ونصف. وتقول نائلة: “هذه الفترة من طفولتي أذكرها كأنها كانت بالأمس على الرغم من صغر سني”.
كان جيرانهم عرباً ويهوداً، وتقول: “كانت تربطنا مع جيراننا اليهود علاقة حسنة.وأقامت بجوارناعائلة يهودية من أصل روماني. وتعرّفت لاحقاًعلى حفيدتهم عِدنة التي شغلت وظيفة سكرتيرة القسم العربي في جامعة حيفا وما زلنانتواصل حتى اليوم”.
وجاورهم أيضاً أصدقاء والدها الذين عملوا في مجال الحقوق، منهم: أحمد الخليل حاكم الصلح الأعلى في حيفا وزكي التميمي حاكم الصلح في حيفا وحسين عبد الصمد حاكم صلح جنين والمحامي والشاعر عبد الكريم الكرمي أبو سلمى.

الخروج من البيت لبضعة أيام..
حصل والدها حنا نقارة على شهادة الحقوق من معهد الحقوق في دمشق عام 1933، وعندما تخرّج تدرّب عند المحامي وديع البستاني.وبين الأعوام 1937 -1948 عمل في مكتب محاماة شريكاً مع المحامي فؤاد عطا الله.وكان يقع المكتب في شارع “أللنبي”، في بناية كانت تعرف بدار جميل الأبيض، دار السلام. وفي شباط من عام 1948 عندما نشبت الاضطرابات والمناوشات في حيفا، قرر شريكه المحامي فؤاد ترك حيفا لخطورة الوضع. فقاما بفك الشراكة وتقسيم الملفات والقضايا بينهما. ففؤاد تولّى قضاياالناصرة، جنين ونابلس وأما حنا فتولّى قضايا حيفا وعكا وبالإضافة حصل على المكتب.
تقول نائلة: “في أواسط نيسان عام 1948 كان لوالدي قضية في مدينة عكا، فاصطحبنا معه، أنا ووالدتي وشقيقي إلى بيت جدّي ذيب نقارة، لنمضي بضعة أيام حتى ينتهي من عمله. كان يقع بيت جدي في ساحة عبّود في عكا القديمة وكان يملك دكانا للأقمشة. وقتئذ أخذت والدتي معها أغراضا قليلة تكفينا لبضعة أيام، وأودعت عند جارتنا اليهودية التي ذكرتها مفتاح البيت لكي تحرسه حتى أن نعود”.
20171108_163825-1 (1)
ونحن في عكا سقطت حيفا…
ومضت نائلة تحدّثني قائلةً: “وبعد سقوط حيفا بثلاثة أيام قرر والدي العودة إلى حيفا ليتفقّد البيت.فعرف أن بوابة الميناء من اتجاه الكولونية الألمانية لا تزال مفتوحة للمرور الحرّ.أصرّت والدتي الذهاب معه. وتركونا أنا وشقيقي طوني في بيت جدي. لكن في ميناء عكا رفض الشاويش البريطاني بشدّة طلب والديّ وقال لهما:”إن العودة إلى حيفا ممنوعة”،وأشار إلى أن الإنجليز يوجّهون اللاجئين من حيفا إلى عكا. لكن والدي أصرّ على العودة واستأجر قاربا ودفع لصاحبه لينقله في اليوم التالي في السابعة صباحاً إلى حيفا. وفي الصباح ذهب والدي إلى الميناء لكنه لم يجد صاحب القارب، فعلم أنه غادر مع عائلته متجهاً إلى مدينة صور في لبنان، نتيجة هجوم الهجاناة على عكا في تلك الليلة. لكنه قبل أن يغادر أودع المبلغ الذي استلمه من والدي عند أحد العاملين في الميناء”.
السفر إلى لبنان والعودة إلى حيفا..
وعن السفر إلى لبنان تابعت نائلة:”كان والدي متيقّناً أن العودة إلى حيفا أمر مستحيل.وبعد تردد طويل نزحنا إلى لبنان وسكنّا في قرية بريدون على مقربة من بيروت، لبضعة أسابيع حتى تهدأ الأوضاع ونعود بعدها إلى حيفا. لكن والدي بدأ رأساً يفكر في العودة. وهو أول شخص كُتب عنه، أنه قابل أشخاصًا في الحكومة اللبنانية، طالباً منهم فتح الحدود وعمل مسيرة عودة للاجئين. لكن طلبه رُفض من قبل المسئولين في الحكومة اللبنانية. وبعد أن لم يجد طريقاً للعودة قال لوالدتي:”أريد أن أعود إلى حيفا لوحدي كي أتفحّص الطرقات”. وعندما أخبر أصدقاءه عن نيّة عودته قالوا له:”لاتتسلل من البرّ لأن الطريق غير آمنة، وثمّة طريق آمنة أكثر وهي السفر في الطائرة التي تقوم بتسفير الموظفين من الريفاينري، وهي معامل تكرير النفط، فتنقلهم الطائرة من بيروت عبر قبرص إلى حيفا. وهكذا سافر والدي مع مجموعة من اللاجئين من حيفا. وكان رجوعه بعد ثلاثة شهور من نزوحنا إلى لبنان. كان باستطاعة والدي أن يبقى في لبنان، ويعمل في شهادته التي حصل عليها من دمشق، وأن يصل ويحصل على مراتب عالية، لكنه أصر أن يعود إلى وطنه، على الرغم من ضغوطات أصدقائه الذين كانوا يقولون له: “كيف ستعود وتعيش وتعمل مع اليهود؟”. لكنه لم يبالِ بهذا الكلام لأن تمسّكه بوطنه أقوى من كل شيء. وأجابهم: “أريد أن أعود إلى وطني لأساعد أبناء شعبي”. وفي هذه الفترة عشنا كلاجئين في لبنان”.
6 (1)
عودة والدي إلى حيفا في الطائرة..
وعن عودة والدها إلى حيفا أضافت قائلةً: “سافر والدي في الطائرة إلى حيفا. وعندما وصل إلى المطار جاء الشرطي واستجوبه عن مجيئه إلى حيفا؟ أجاب “أنا ابن حيفا وعائد إلى بلدي وبيتي”. كان معه مؤيد إبراهيم الذي كان يعمل في البلدية، وإدوار قطران الذي كان يعمل في دائرة تسجيل الأراضي،الطابو. فأمرت الشرطة بأن يغادر الثلاثة فورًا” “عودوا من حيث أتيتم، لم يعد لكم بلد ولا شيء هنا.” ولكن والدي ورفاقه لم يخضعوا لطلب الشرطة، فسجنوا وقبعوا في السجون ثلاثة أشهر. وأطلق سراحهم بعد أن تدخّل الأصدقاء والمعارف من المحاميين وكذلك السياسي توفيق طوبي”.
معاناة العائلة بعد العودة إلى حيفا عام 48 والسكن في بيت حنا الزاروبي في شارع عباس رقم 40
وعندما خرج المحامي حنا نقارة من السجن، ذهب لتفقد المكتب والبيت فوجد أن المكتب قد دُمر بالكامل نتيجة إلقاء القنابل عليه. فذهب إلى بيته في الكولونية الألمانية، وعندما قرع باب البيت خرجت ساكنة جديدة، كانت يهودية ووجد البيت منهوباً. فخرجت الجارة اليهودية التي استلمت مفتاح البيت لتحافظ عليه وقالت له:”حاولت أن أقنعهم بألا يدخلوا البيت،وقلت لهم إن جيراني سيعودون إلى هنا، لكنهم لم يسمعوا كلامي”. فبدأ البحث عن بيت جديد.ووجد مأوى جديداً في بيت حنا الزاروبي.
وصفت نائلة معاناة والدتها في هذا البيت قائلةً:”صديق والدي حنا الزاروبي اقترح على والدي أن يسكن في غرفة في بيته في شارع عباس إلى حين أن يدبر أمره. فوافق والدي وسكن هناك، وبدأ يحضّر الأوراق والمعاملات لكي نعود مع والدتي إلى حيفا. لم يكن قانون لمّ الشمل ساريا بعد. بعث لنا الأوراق وسجّلنا على أننا من الرامة، وراسلنا مع راهبات كنّ يعملن في حيفا وبيروت. وخطّط والدي لنا العودة عن طريق بلدة رميش وبلدة حرفيش برّاً. فعندما أنهينا المعاملات في لبنان سافرنا متجهين إلى حيفا مع مجموعة من الناس، وكانت معنا أيضا والدة حنا الزاروبي. وبدأنا مسيرتنا في منتصف الليل تسللاً. مكثنا في الطريق أياما معدودة، وأخيراً وصلنا إلى كفر ياسيف، إلى بيت يني يني. ومن هناك استقبلنا توفيق طوبي وقاد بنا المركبة جوزيف/يوسف عبدو (أبو نقولا). وبعد أن عبرنا من نقطة التفتيش على مدخل حيفا في التشيك بوست استلمنا والدي، وكانت لحظة مؤثرة جداً.كنا مذهولين من الرعب الذي مررنا به في طريق العودة”.
أكملت حديثها قائلةً:”سكنّا في بيت حنا الزاروبي، في غرفة في الطابق الثاني، وكان إدوار قطران يعيش في غرفة أخرى مع زوجته. في شارع عباس وهناك بدأت معاناتنا، إذ أخذت الشرطة تطاردنا وتداهم بيتنا باستمرار، وذلك لأننا كنا متسللين. فكانت والدتي تقول للشرطة: “نحن تسجلنا في سجل النفوس في الرامة، وذلك عندما ذهبت في أحد الأيام لزيارة صديقتي مريم هناك، وكان في هذا اليوم تسجيل النفوس فسجّلونا معهم”. لكن الشرطة لم تتركنا،وكان يأتي كل صباح شرطي ويطرق الباب بقوة، فكانت والدتي تطلب مني ومن شقيقي طوني أن نصعد ونختبئ على السدّة. والدة حنا الزاروبي كانت مسنّة تفتعل أنها ستموت لتنقذ الوضع. ووالدتي قالت للشرطي:”لا أحد هنا، فقط أنا وهذه المسنّة وهي على وشك الموت”. في البداية الشرطي غض الطرف، لكن بعدها عاد وأجبر والدتي بأن تذهب معه إلى مركز الشرطة تمهيدا لنفينا من حيفا. وكانت سيارة الجيب للشرطة تقف أمام بيت جيراننا في عباس 36. فكان الجيران ومنهم نور الدين العباسي وموريس مدوّر، يدافعون عنا بقوّة ويقولون للشرطة لماذا تخرجونهم من حيفا. هذه السيّدة ولدت هنا وهنا بيتها. زوجها في العمل والسيّدة مع أطفالها،ماذا تريدون منها؟ ولا احد يستطيع أن يأخذها ونحن موجودين”.
ولكن نائلة تابعت حديثها: “في أحد الأيام استجوبت الشرطة والدتي عن سجل النفوس في الرامة، فروت لهم مجدداً زيارتها لمريم في الرامة. فقررت الشرطة اصطحاب والدتي إلى الرامة لفحص صدق قولها. وعندما وصلوا إلى قرية الرامة جمعوا جميع النساء اللواتي أسماءهن مريم، وسألوهن من تعرف هذه السيدة مشيرين إلى والدتي. ولم تعرفها أي واحدة من النساء. فعادت والدتي إلى حيفا، وقال لها:ضابط الشرطة “أنت كاذبة”. فأجابته والدتي:”مريم التي كانت تعرفني كانت بين النساء، لكنها لم تقل شيئاً لأنّها كانت خائفة”. ولحسن حظنا نجح والدي بإصدار هويات حمراء التي كانت تسمح لنا بالبقاء في حيفا رغم أننا عرفنا من قبل الحكومة “كمتسللين”.وبعد عام تركت العائلة البيت في شارع عباس وسكنت واستقرت في بيت في حي وادي النسناس، في شارع الخوري رقم 23. في الجزء التالي سأتطرق إلى الحياة في هذا البيت.
(يتبع)..
E- rawdagniam@gmail.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *