يا مدارس يا مدارس…!

مراسل حيفا نت | 01/10/2017

يا مدارس يا مدارس…!
د. منعم حدّاد
هكذا كان الأطفال يغنون، يوم كانت المدارس مدارس… تربّي النشأ على الفضيلة والأخلاق الكريمة، والتواضع والقناعة، تدرّس العلوم والمعارف، وتنمّي الصفات الحسنة، تخرّج الرجال العباقرة وترعى الموهوبين وترافق النابهين في ميادين الحياة، أبوابها مشرّعة أمام الفقير قبل الغني، وأمام البنت كما أمام الإبن، تعامل الجميع سواسية كأسنان المشط، ليس فيها الكبير ولا الصغير، تضمن للجميع المساواة التامة، ولا “ناس عزّا ولا ناس معزا”.
وتقدم العالم وتطورت الدنيا، و”تمدرن” الناس وتفرنج القوم، وانتشرت الاختراعات الحديثة التي قلبت الكثير من الموازين والمعايير، وقلّصت الفروق الجغرافية بين بني البشر، وازدادت الفروق الاجتماعية ووسعت الهوة بين الناس، وجعلت من المجتمع الواحد مجتمعات، ودفعت الكثيرين إلى العزلة والاعتكاف في مقاصير وحجرات، يستأنسون فيها بهذا الاختراع أو ذلك!
وسارت بعض المدارس في هذا النهج وهذا الطريق أيضاً، فانفردت بعضها بتخصيص مقاعدها للنخبة أو الصفوة أو الممتازين والمتفوقين من التلاميذ، كل التلاميذ، شريطة أن يكون أولياء أمور هؤلاء من النخبة والصفوة والامتياز والتفوق الاجتماعي المبني والقائم على الأصول والمعايير الاقتصادية والمالية والنقدية، دون أن تفسح مجالاً مهما كان ضئيلاً لغير ذوي الحسابات البنكية والنقدية والعينية المصابة بالتخمة والسمنة الزائدة، وغير عابئة بمصير أولئك الذين لم يحالفهم الحظ في التفوق والامتياز المادي، مهما كان تحصيلهم العلمي ومهما كان مستواهم الأخلاقي، وغير آخذة في الحسبان النسبة الهائلة من الذين تناثروا تناثر أوراق الخريف في طريقهم من الروضة والحضانة حتى الإعدادية والثانوية!
وأصبحت بعض المدارس مصانع علامات بدلاً من مصانع رجال، وصالات عروض أزياء وتنافس إبراز ثروات و”شوفوني يا ناس”…
وطالبت تلك المدارس التي كرّست نفسها لتلك الصفوة المشبوه والمشكوك في صفوتها التعليمية والتحصيلية بحقوق وامتيازات تساوي أو تضاهي أو ربما تفوق تلك التي تناله المدارس التي تحتضن الجميع دون تمييز في العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الوضع أو المستوى “السوتسيواكونومي” أو (الاجتماعي) الاقتصادي المالي النقدي البنكي… فهي وقف على فئة معينة محصورة على مجموعة معينة رغم حصولها على تمويل يأتي من أموال الشعب، كل الشعب، وضرائبه ورسومه التي تثقل كاهله، وهي إن حصلت على مستوى معين فلا يحق لها أن تفاخر به لأنها كرّست نفسها منذ البدء للصفوة والنخبة ضاربة عرض الحائط بأسس المجتمع السليم القائمة على المساواة والعدل الاجتماعي!
وأصبح بعض هذه المؤسسات مجرد شبه صالات لعروض أحدث أزياء وصرعات الملابس الفاخرة والسيارات الفخمة الفارهة صباحاً حين يأتون أو يأتين بفلذات الأكباد وظهراً أو عصراً عندما يعودون أو يعدن لاصطحابهم إلى منازلهم.
وسادت في مثل هذه المؤسسات سياسة تعيينات تتلخّص في أن الأقربين أولى بالتعيين، فالذي يفوز بقصب السبق في سباق التعيينات المحموم هم على الغالب أولئك المقربين من هذا المسؤول أو ذلك، من ذوي التأثير والنفوذ والسلطة والمكانة الاجتماعية المؤثرة، دون الأخذ بعين الاعتبار مستواهم وقدراتهم وكفاءاتهم، مما هبط بالمستوى التعليمي إلى الحضيض، أما الجانب التربوي فحدّث عنه ولا حرج!
وصار المرء لا يستغرب أن يطّلع على وظيفة أو واجب ابنه أو ابنته المدرسي ليجد أن صاحب/ة الجلالة المعلم/ة يعلم خطأ، وأن أوراق العمل التي يحرص/تحرص على إعدادها شخصياً و”بدقة متناهية” لا تخلو من كثير من الأغلاط اللغوية والإملائية والموضوعية والمعلوماتية وغيرها!
أما عن الامتحانات ونزاهتها فالحديث يطول كالحديث عن الأفاعي، فماذا في ذلك إذا همس المعلم في أذن قريب أو مقرب له دون سواه بالجواب الصحيح الذي لم يتيسر له حلّه؟
وماذا إذا قامت المعلمة بالإجابة عن أكثر من سؤال لقريبتها أو ابنة صديقتها أو جارتها، تلك التلميذة “المسكينة” التي لا يسمح لها وقتها في المنزل بالدرس والاستعداد للامتحان؟ فوقتها كله مشغول بالتلفون والانترنيت وما شابه، فهل نعتبر مساعدة تلميذة “مسكينة” كهذه جريمة لا تغتفر؟ أم هل سقطت خشبة من السماء؟ وما هذا الحسد وهذه الغيرة الفتاكة؟
أما إذا بسطت المعلمة كفها في منح العلامات مع هذه دون الأخريات، لغاية في نفس يعقوب ولمصلحة تلك التي يقوم والدها بتصليح سيارة المعلمة كلما تعطلت، أو تكرم المعلم ومنح تلميذاً من العلامات ما لا يستحق، لسبب لا يجهله أحد، فهل نحاسب مثل هذين المعلمين “الفاضلين” الكريمين السمحين؟ أم هل نعتبرهما مبذّرين في العلامات رغم أنهما لم يفرطا بعلامات لغير نخبة قليلة من أصحاب الحظوة والحظ؟
أما إذا “اكتشف” أحد التلاميذ أن المعلم أو المعلمة أخطأ في تصحيحه امتحانه ومنحه درجة أقل مما يستحق بحسب رأيه، وتجرّأ واستقرّ رأيه على مراجعة المعلم، فهل المعلم “خلقة أبوه” ليضيع وقته في مراجعة ليس وراءها من شيء سوى زيادة بضع علامات لهذا التلميذ الفظّ الثقيل؟
وإذا ما سوّلت لأحد التلاميذ نفسه الأمارة بالسوء أن يرفع الأمر لمستوى أعلى، فلمن يرفعه؟
فإذا كان القاضي خصمك فلمن تشكو أمرك؟
وتبقى مثل تلك المدارس أوكاراً للغرور ومنبتاً خصباً للغش والخداع والتضليل وقلّة الحياء!unnamed-4-8-221x300

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *