النّهضة السينمائيّة في عهد جمهورية فايمر في ألمانيا

مراسل حيفا نت | 05/05/2017

النّهضة السينمائيّة في عهد جمهورية فايمر في ألمانيا
طوني باسيلا
بعد صعود أدولف هتلر إلى الحكم سنة 1933 بطريقة قانونية، وعند بداية تثبيت حكمه النازي وتحويل بلاد الجرمان إلى مستنقع دكتاتوري وحشي، أصبحت مشاغل المؤرخين تتمحور في الأسباب التي أدت إلى وصول ذلك الحاكم المستبد إلى كرسي السلطة. كانت مشاهد الأفلام السينمائية التي عُرضت أيام الحكم الجمهوري قد شرحت، ما بين السطور، عن الضيق المادي والاجتماعي والنفسي الذي التصق بالشعب الألماني منذ بداية تطبيق نظام فايمر الديمقراطي مباشرةً بعد الحرب العالمية الأولى، ذلك النظام الذي حمل الجماهير الألمانية إلى عالمٍ مظلم مجهول لم يجد فيه الشعب ملاذًا ولا مأمنًا. يعتمد بعض المؤرخين في عصرنا الحاضر، وأخص بالذكر المتحررين منهم، في استنتاجاتهم ودراساتهم على تلك المشاهد في السينما الألمانية والتي تعبّر عن الأزمة الاقتصادية وعن الانحلال الخلقي في مجتمعات الجرمان المحافظة وحتى عن الدمار الشامل الذي أصاب البنية التحتية في النظام الديمقراطي، وبداية ظهور اليمين المتطرف من جهة واليسار المتطرف من الجهة الأخرى. تلك الحالات التي سمَّرت الديمقراطية ومهدت الطريق للحكم السلطوي، الفردي، القامع، الظالم والمستبد، رسمت صورة حقيقية للواقع الأليم الذي ساد في ألمانيا عشية وصول هتلر إلى السلطة.
من أبرز الأفلام التي أظهرت ضعف جمهورية ألمانيا الديمقراطية في العشرينات من القرن الغادر كان الفيلم M. بالرغم من عدم إظهار التوجه السياسي للفيلم وبالرغم من إخفاء عنصر النقد المباشر للحكم الجمهوري، إلا أن هناك رموز هامة ظهرت في الفيلم توضح للمُشاهد مدى ضعف الحكم السائد وعدم قدرته على ضبط القوانين وعدم قدرته أيضاَ على إنقاذ ألمانيا من الفوضى العارمة التي تعاني منها منذ عدة سنوات، والتي سقت البلاد من شلالات خيبة الأمل. تدور أحداث الفيلم حول شخص يقوم باجتذاب الفتيات وبقتلهن فيما بعد، والمثير في ذلك أن الشرطة التابعة للنظام الجمهوري في ذلك الحين لم تستطع السيطرة على المجرم، بل ويُبرز المخرج “لانج” مؤسسة الشرطة الممثلة للقانون وكأنها عاجزة، مُكبَّلة وعارية من الصلاحيات بسبب الضعف الذي دبَّ بكافة عناصر النظام التابع لدولة فايمر آنذاك. وما يثير اهتمام المشاهد هو أن العصابات هي التي تلجم الأعمال الشرسة التي يتبعها المجرم في الفيلم، والأكثر من ذلك أن تلك العصابات هي التي تقبض على القاتل وتباشر بمحاكمته وبإصدار القرار بحقه في الحكمة التابعة للمافيا الألمانية وليس في أروقة محاكم الدولة. ذلك الوصف السينمائي أثار تساؤلات عديدة في تلك الفترة حول مدى ضعف النظام الذي سبق صعود هتلر إلى الحكم، لا بل ومهَّد له الطريق من أجل الوصول بطريقة قانونية. لم تتجاهل المجموعات النازية في تلك الفترة القصة التي طرحها الفيلم، ومن جهتها فقد اعتقدت أن العصابات التي تسيطر على الموقف تمثل الحزب النازي بكافة فئاته كالجستابو، والإس إس والإس أ.. وغيرها. اتهم النازيون صنّاع الفيلم بأنهم يهاجمون دوائر الحزب ويهمشون اسمه، وقد نسبوا هذا الاتهام إلى أصول المخرج اليهوديّة. بعد أن تسلَّم النازيون مقاليد الحكم في أواخر كانون الثاني سنة 1933 راحوا يتبعون شتى وسائل الاضطهاد والأساليب اللاسامية، وأصدروا قرارًا يقضي بمنع بث الفيلم M في ألمانيا. وعند اشتداد مظاهر القمع رحل المخرج (لانج) من ألمانيا وتابع مسيرته السينمائية في الولايات المتحدة الأمريكية. إذا ألقينا نظرة، ولو خاطفة، على تركيبة الفيلم، وتجاهلنا الأصول اليهودية التي كان المخرج ينتمي إليها، لوجدنا بأن الهجوم الكاسح الذي وجهه النازيون للفيلم سوف يكون أسهل مما كان عليه، ولوجدنا أيضًا أن عناصر النقد تمحورت ضد النظام الجمهوري الفايماري الذي كان مُجرَّدًا من كافة مظاهر القوة والعزة والشموخ وغارقًا في مواجهة الرياح التي عصفت بالنظام بقوةٍ وغضب. ولكن النازيين اهتموا بتزويد الإعلام الألماني في ذلك الحين بغطاءٍ نقدي وعرقي، بدأ بالهجوم الكاسح على الرموز التي عرضها الفيلم وانتهى باتهام المخرج بأنه يقف وراء تشبيه النازيين بالمافيا، كونه ينتمي إلى عنصرٍ آخر كان مستهدفًا عند الحزب الوطني الاشتراكي.
على الرغم من الانحطاط الاقتصادي، السياسي والحضاري الذي وصلت إليه ألمانيا في العهد الديمقراطي بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن صناعة السينما تقدّمت وتطوّرت وحتى أنها برزت بالمقارنة مع صناعة السينما في دول أوروبا الأخرى. فقد وصل عدد الأفلام الألمانية الطويلة إلى ما يقارب 3500 فيلم، وأما شركات إنتاج الأفلام فقد انتشرت في جميع أنحاء الدولة وراحت تعمل على صناعة الأفلام التي عرضت الفنانين الألمان وغير الألمان من المشاهير الذين وجدوا في السينما الألمانية قصة نجاح مميزة. تألق الإنتاج السينمائي في تلك المرحلة التاريخية، خاصةً أن القائمين على ذلك الفن أدخلوا بعض الأنماط الحديثة على إنتاج الفيلم. مثال على ذلك: اهتم الألمان بإدخال الرموز الجديدة التي طوّرت عند المشاهد مستوى التحليل والاستنتاج، ذلك بعد أن كان الفيلم السينمائي خاليًا من استخدام الرموز ومعتادًا على عرض الوقائع من الحياة اليومية المأخوذة من بحر همومها، وعدم فلسفتها أو ترجمتها إلى لغة سينمائية معقدة.
كان لتدفق الأفلام تأثيرًا كبيرًا على الفئات الشعبية، حيث أصبحت المواضيع المتعددة، التي ظهرت على الشاشات الألمانية، بمثابة حديث الساعة عند الناس، خاصة المواضيع التي انتقدت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، تلك الأحوال التي حلَّت على الطبقات الوسطى والمحافظة، نتيجة العقوبات التي أصدرها الطباخون في فرساي ونتيجة غياب القيادة السياسية الحديدية الألمانية وظهور حالاتٍ اجتماعية ونفسية جديدة لم يكن لها أثر في السابق. فإن غرق سفينة الديمقراطية من جهة وفيضان الألم والدموع التي غطّت الراين من جهة أخرى، ساهمت في تجهيز المواضيع من أجل بلورتها وعرضها فيما بعد في دور السينما الألمانية.
unnamed (12)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *