كنيسة القيامة

مراسل حيفا نت | 14/04/2017

كنيسة القيامة
(المسيح قام.. حقًّا قام)
د. كميل ساري

* لمحة تاريخيّة
تعتبر كنيسة القيامة أهمّ المواقع في العالم للدّيانة المسيحيّة، وقد عَرف المبنى تغييرات على مرّ فترات مختلفة، متأثّرًا بالأحداث والوقائع التّاريخيّة، الطّبيعيّة (الحرائق، الهزّات الأرضيّة)، وغيرها. نورد فيما يلي لمحة موجزة لتاريخ بناء الكنيسة ومن ثمّ نورد شرحًا لأعمال الصّيانة التي أجريت، مؤخّرًا.
خلال الفترة الرومانيّة استعملت منطقة الجلجثة (التي كانت خارج أسوار المدينة آنذاك) كموقع لاستخراج حجارة البناء، وكمقبرة شملت القبور المنحوتة في الصّخر. وقد أشارت نتائج الحفريّات الأثريّة على أنّ القبور في هذه المنطقة وُجدت في القرن التّاسع قبل الميلاد (العصر الحديدي) امتدادًا للفترة الرّومانيّة (القرن الأوّل ميلادي). في عام 130م، باشر القيصر هدريان ببناء القدس مختارًا اسمًا جديدًا “الألياء” (أو كما عرفت باللّاتينيّة “أيليا كابيتولينا” – Colonia Aelia Capitolina). وخلال أعمال البناء هذه، ضمّ منطقة الجلجثة إلى داخل أسوار المدينة. وفي عام 135م.، بنى هدريان في الموقع معبدًا للآلهة أفروديت.
في عام 326 م.، وبعد أن تمّ التعرّف خلال الفترة البيزنطيّة على موقع صلب المسيح في الجلجثة، تمّ إزالة معبد أفروديت، وبوشرت أعمال بناء كنيسة في الموقع. في عام 335م. انتهت أعمال بناء الكنيسة الأولى في الموقع، تحت إشراف القدّيسة هيلانة (والدة القيصر قسطنطين)، إلّا أنّها هُدمت من قبل الفرس في عام 614 م.
بُنيت الكنيسة من جديد عام 629م.، ولكنّها هُدمت في عام 1009م. بأمر من الخليفة الحاكم بأمر الله. لاحقًا، وقرابة الأعوام 1024-1026 تمّ ترميم وبناء أجزاء منها. في عام 1033 تضرّرت الكنيسة إثر هزّة أرضيّة، فقام القيصر قسطنطين التّاسع موناماخوس (Constantine IX Monomachos) ببنائها من جديد في عام 1048. وفي وقت لاحق، وتحديدًا في عام 1099 رمّمها الصّليبيّون، ومنذ ذاك العام لا تزال الكنيسة قائمة على شكلها الحالي، مع بعض التّرميمات التي أجريت خلال فترات معيّنة (الصّليبيّة والعثمانيّة).

* ترميم الكنيسة
تضرّرت الكنيسة عدّة مرّات إثر هزّات أرضيّة. فعلى سبيل المثال في عام 1834 أحدث زلزال تصدّعًا في مبنى الكنيسة، كما تضرّرت الكنيسة في عام 1927 إثر هزّة أرضيّة أخرى، فقام البريطانيّون بترميم مبنى الكنيسة وتقوية بعض أجزائها. من بين أعمال التّرميم التي جرت خلال فترة الانتداب البريطانيّ، كانت إضافة داعمات وحلقات من الحديد حول مبنى القبر، لهدف تقوية الأعمدة والجدران كي لا تنهار. تجدر الإشارة إلى أنّ أعمال الصّيانة في الكنيسة تجري بشكل دائم.
أجريت أعمال التّرميم والصّيانة الأخيرة، والّتي بدأت قبل عام (2016 المنصرم)، بمتابعة جامعة أثينا في اليونان، وتحديدًا تحت إدارة وإشراف مهنيّ من قبل البروفِسور أنطونيا ماروبولو – Prof. Antonia Moropoulou، والّتي تمركزت أساسًا في ترميم مبنى القبر. وقد تمّت أعمال الصّيانة والتّرميم، بعد مرحلتين أساسيّتين: الأولى، الاتّفاق بين ومع الطّوائف الثّلاث: الأرثوذكسيّة اليونانيّة، الأرمن والفرنسيسكان (Custodia Terrae Sanctae) حول الصّيانة والتّرميم؛ والثّانية جمع المال المطلوب لعمليّات التّرميم (قرابة 3 مليون يورو). إنّ القسم الأكبر من المال تمّ جمعه من تبرّعات لجهات مختلفة: من القطاع الخاص كمؤسّسات تعليميّة وجامعيّة (سويسرا، اليونان وغيرها)، الكنيسة المحليّة اليونانيّة، تبرّعات من جمعيّات أردنيّة، جمعيّات ومؤسّسات فلسطينيّة، صندوق التّراث العالمي (وهي جمعيّة تأسّست عام 1965 في الولايات المتّحدة وتدعم اليوم قرابة 600 مشروع صيانة في 90 دولة)، وغيرها.

* أعمال التّرميم
تطلّبت أعمال التّرميم والصيانة بدايةً، إجراء مسح لمبنى القبر، لهدف إعطاء صورة عن مدى الأضرار المتراكمة الّتي حلّت بمبنى القبر على مرّ العصور، وللتّوثيق العلمي للمبنى ودراسته. بعد تقييم المبنى ومعاينة المشاكل والأضرار الّتي تحتاج إلى ترميم وصيانة، كان من الممكن طرح الحلول الهندسيّة والمعماريّة الملائمة، التي يجب أن تتوافر فيها بعض الشّروط:
– الحفاظ على الشّكل والطّابع التّاريخيّ.
– الحفاظ على الوضع القائم (Status Quo).
– استعمال مواد تتلاءم مع المبنى والحجارة القديمة التي صُنع منها القبر.
– الحفاظ على القيم الدّينيّة وجوهر المبنى.
وقد أشارت نتائج المسح إلى وجود عدّة نقاط كانت بحاجة إلى التّرميم، نذكر من بينها:
– تشقّق وانتفاخ باطن الجدران الّذي من شأنه أن يؤدّي إلى انهيارها (صورة رقم 2). وقد أشارت الدراسة إلى أنّ سبب ذلك يعود إلى دخول المياه من فتحة كانت في قبّة المبنى حتّى العام 1870. وفي وقت لاحق، بعد سدّ الفتحة، دخلت المياه إلى الجدران عبر قنوات تصريف المياه تحت الأرض على مقربة من مبنى القبر.
– حبكات من الحديد وُضعت خلال فترة الانتداب البريطانيّ، قبل أكثر من 70 عامًا؛ كان من شأن تلك الحبكات أن تمنع انهيار الأعمدة والجدران، وقد وُضعت حينها لعدم وجود حلول هندسيّة. وقد سبّبت تلك المعادن من الحديد أضرارًا للأعمدة ناتجة عن التّأكسد (الصّدأ) الّذي حدث على مرّ السّنين.
– فراغات بين الحجارة ناتجة عن ذوبان مادّة الطّين التي ألصقت بها حجارة البناء فيما بينها.
إنّ الموافقة التي أعطيت للبدء في عمليّة التّرميم أخذت بعين الاعتبار احتياجات الكنيسة، بكونها مكانًا هامًّا، يزورها مئات آلاف الحجّاج سنويًّا. من هذا المنطلق، كانت الخطوة الأولى هي وضع داعمات جديدة تمكّن العاملين من القيام بأعمال الصّيانة، والحجّاج بدخول القبر وزيارته في الوقت ذاته. (الصّور رقم 4 – 6).
بهدف إنهاء أعمال الصّيانة في وقت قصير، عمل طاقم مرمّمين من اليونان على مدار ساعات النّهار واللّيل في ورديّات وتناوبات فيما بينهم (صورة رقم 7 – الطّاقم اليوناني يعمل ليلًا ونهارًا).
أمّا من النّاحية الهندسيّة المعماريّة فقد تمّ تثبيت المبنى وتقويته، من خلال ملء الفراغات بالطّين الملائم الّذي صنع من الكلس (وليس من الإسمنت). وقد تمّ ملء الفراغات بطرقتين: حقن سائل الطّين بواسطة حُقن خاصّة في مواقع ثابتة نسبيًّا، بينما تمّ تفكيك الحجارة في مواقع أخرى وإعادة بنائها من جديد، ما مكّن الباحثين من تثبيت المبنى، وفي نهاية التّرميم، تمت إزالة حبكات الحديد التي وضعت قبل 70 عامًا.
أمّا المرحلة الأخيرة من أعمال الصّيانة، فشملت تنظيف حجارة البناء والرّخام، وصيانة النُّحُت والرسومات في داخل القبر وإعادة تأهيلها من جديد، ممّا أعطى المبنى والزّخرفات لمعانًا ورونقًا يجدر ويليق بأهمّ المباني والمواقع التّاريخيّة في العالم، راجين أن يبعث هذا البريق نورَ السّلام والمحبّة للعالم أجمعين.

ملاحظة: لقد تمّ الانتهاء من أعمال الصّيانة قبل نحو ثلاثة أسابيع.. والصّور المرفقة بالمقالة وصلتنا بلطف من جامعة أثينا، فنتقدم لذلك بشكرنا الجزيل لطاقم جامعة أثينا، ونخصّ بالذّكر البروفسور أنطونيا ماروبولو.
unnamed (8)

unnamed (10)

unnamed (11)

unnamed (12)

unnamed (13)

unnamed (14)

unnamed (15)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *