زياد البريء؛ يعترف!(1)

مراسل حيفا نت | 17/02/2017

زياد البريء؛ يعترف!(1)
* “حين تكون العدالة باهظة الثمن وطويلة الأمد، فهي ظلم سافر” *
طارق عسراوي
بدا أنه ذهب إلى المحكمة للاعتراض على مخالفة حرّرها له شُرطيُّ المرور، والحقيقة أنّه توجّه ليتقدم بشكوى مباشرة للقاضي، ضدّ ذلك الشرطي الظالم.
في الثاني والعشرين من أيار، قبل أكثر من عام، كان قاصدًا عمله، الذي يقضي فيه نهاره واقفًا أمام سيخ الشّاورما، يحمل سكّينًا كهربائيًّا، فإذا بسيارة رياضيّة فاخره ذات لون أبيض بلوريّ لافت، تركن في موقف مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، في شارع وسط المدينة، وعندما صار في محاذاة السيارة، استوقفته شتائم رجل ترجّل من مركبته، والتي أوقفها إلى جانب السيارة البيضاء، ويحمل في يده مفكًّا .. وراح الرجل يدور حول المركبة، وهو يحزّ بالمفكّ على سطح السيارة، يتلف ويجرح طلاءها.. فتدخّل زياد ليبعد الرجل عن المركبة، حيث احتدم النقاش بينهما، وتحوّل إلى صراخٍ جمهرَ الناس حوله.
– لماذا فعلت ذلك؟! حرام عليك!
– حرام عليّ؟!! ألا تراها تقف في موقفنا المخصّص! هذه ليست المرة الأولى، ولقد أنذرته قبل ذلك!! سأعلّمه الالتزام بالقانون.. فلتترك يدي.
– ولكن هل خوّلك أحدٌ لتربية الناس من جديد، أو لتطبيق القانون بيدك!! لماذا لا تستدعي له الشّرطة؟.. أنظر هناك شرطي فلتشتكي إليه بدلًا من هذه الهمجيّة؟!
– ما دخْلكَ أنت!! أنا حرّ.. هل أنت ناطق باسم صاحب المركبة؟!
وعلا صياحهما أكثر فأكثر، مما جمّع الناسُ حولهما، كما تسببت وقفة سيارة الرجل الغاضب بشكل مزدوج في أزمة مروريّة، حضر على إثْرها شرطيٌ متأنّق بلباسه الرسمي، على دراجته الناريّة، ذات العجلات الثلاث.
استمع الشّرطي للحديث المتطاير من المتجمهرين، ورأى المشهد واضحًا، فوقف بينهما بحزم، وطلب بطاقة كلّ منهما!
حاول زياد أن يشرح للشّرطي الأمر، إلّا أنّه نهره بعبارة حاسمة؛ لقد رأيت كل شيء، بإمكانك الاعتراض أمام القاضي في المحكمة.
ثمّ أعاد لهما بطاقتيهما، وفي كلّ منها ورقة حمراء.
– مخالفة مرور بسبب ركن المركبة في مكان ممنوع!! هل هذه المخالفة لي؟!!
كيف يعقل ذلك؟!! هذه ليست مركبتي، غير أنّي تدخّلت من أجل…
ولم يكمل عبارته حيث شدّه أحد المتجمهرين من كتفه وقد أحاط يده على كتفه محاولًا تهدئته: لا تغضب، فهذه الأضرار سطحيّة يمكن معالجتها بقليل من مادة تلميع الطلاء وينتهي الأمر.
– لكنّها ليست مركبتي، ولا أعرف مالكها!!.
– معقول! يا لها من مخالفة عجيبة غريبة! ومع هذا، لا تضع نفسك في مشكله أكبر. لا تصعّب المسألة، لأنّك إن تطاولت وأكثرت الحديث.. سوف يسوقك بجريمة مقاومة رجال الأمن إلى السّجن.
– السّجن!! قال متعجّبًا.
– صدقّني، خُذْ المخالفة.. وأكمل طريقك.. وقلْ للقاضي ما حدث.
جال بعينيه في المكان، والغيظ يغلي في أوردته، فشاهد جمهرة الناس والمركبات والرجل يجادل الشرطي ويلحق به.. بينما الأخير يعيد دفتر المخالفات إلى جيب الدراجة ويدير ظهره!
هزّ زياد رأسه، وتحشرج قائلًا: سأشتكيه للقاضي.
في الثامنة صباحاً كان زياد واقفًا أمام مبنى المحكمة، شحنته الآية المكتوبة بخط ذهبي على واجهة المبنى “وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل”(*)؛ فاندفع إلى داخل المبنى بثقة وهو يؤكّد في نفسه سوف أشتكيه.
أين القاضي المسؤول عن المخالفات؟ سأل حاجبًا يجلس في ممر المحكمة.
– لم يباشر عمله بعد، اعطني مخالفتك وانتظر في القاعة حتى أنادي على اسمك.
في القاعة يجلس العشرات، سائقو مركبات عموميّة، سيدات متأنقات يقفن قرب الحائط، محامون يجيئون ويذهبون بردائهم الأسود وحقائبهم المليئة بالأوراق. تمتزج الأصوات وتتداخل..
لقد وقفت لأحمّل راكبًا قرب الإشارة الضوئيّة فشاهدني….
قهوة وسط ، أستاذ..
آه حادث سير ولكن الحمد لله بسيطة..
آه المهم السّلامة..
لم انتبه أنّ التّأمين منتهى منذ أسبوع..
….
….
(*) آية 58 من سورة النساء.
(يتبع)
13226662_10153985548380081_4999705674791132695_n

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *