من الذي انتصر في سوريا?

مراسل حيفا نت | 12/02/2017

د. منعم حدّاد
شغلت بال العالم العربي من محيطه إلى خليجه قبل عقود قليلة مسرحية “ضيعة تشرين” التي قام ببطولتها “غوار الطوشة وحسني البورزان” وآخرون، ومن المحتمل أنها ما زالت تستقطب المشاهدين كلما عرضت على الشاشة.
واحتلت “قضية” نايف وزينة المقبلين على الزواج حيّزأ معيناً من أحداث المسرحية، فقد تمّ الاتّفاق على أن يكون الكرم “مقدم مهر العروس والكرم مؤخّرها”.
لكن “حرامياً” اقتحم الكرم واحتله، وذهبت جهود طرد “الحرامي” من الكرم أدراج الرياح، ولما لم يجد “المختار” حيلة ولا مهرباً أمامه وأراد إلهاء الناس عن قضية الكرم وعرشه المنهار أرسل حارسه ليقتل بقرة “أبو عمشة” تحت جنح الظلام، ويلقي بهوية (غوار) بجانب البقرة القتيلة، مما أدى إلى اشتعال نار الفتنة، لتدور رحى “حرب” أهلية في الضيعة…
ولما سأل الحارس المختار عن خطته لتحرير الكرم أشار إلى “المعركة” الحامية الوطيس المندلعة أمامه في الساحة العامة قائلاً: ها هي الخطة أمام عينيك…
هذا، تقريباً، بعض ما نتذكره من تلك المسرحية الرائعة، التي تعبر – إلى حد بعيد – عن الوضع الحالي في سوريا…وكأن مؤلفها تنبّأ مسبقاً بهذا الحال الذي آلت إليه سوريا.
فقد قام السوريون شأنهم ِشأن شعوب عربية أخرى بالمظاهرات الاحتجاجية العارمة مطالبين بإصلاحات مختلفة وبتحسين الأحوال على مختلف المستويات، لكن سرعان ما تطوّرت الأمور وأفلت الزمام من أيدي السلطة والجيش النظامي، ومن المعارضة أيضاً، وتحولت سوريا إلى مسرح لعمليات إرهابية، وإلى ميدان لقوى داخلية وخارجية، تصول وتجول في رحاب سوريا وتعيث في أرجائها فساداً وتدميراً وتشريداً وقتلاً.
ومن المسؤول عن أنهار الدماء النازفة في سوريا التي غدت حلبة لصراع أممي وعالمي، تلت ما سبقها منذ الحرب العالمية الثانية، إن كان في الشرق الأقصى،أو في الشرق الأوسط أو غيرهما؟
ومن هو “المختار” المسؤول عن إذكاء نار هذه الحرب الدائرة في سوريا منذ سنوات تأكل الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر؟
هل “المختار” المسؤول عن هذا الدمار هو النظام السوري؟ أم المعارضة؟ أم الاستعمار الأميركي والأوروبي والغربي؟ أم التنظيمات الإرهابية المختلفة؟
وما هو الدور الذي تلعبه كل من هذه القوى؟ وما هو دور أمريكا وبعض الدول الأوروبية؟ وما هو دور روسيا؟ ودور إيران؟ ودور حزب الله؟ والسعودية؟ وتركيا؟ وإسرائيل؟
وكيف، كيف تحول بعض السوريين، حملة شعلة العلم والمعرفة والحضارة والأبجديات، منذ عهود أوغاريت وحتى قبلها، إلى مطايا ودمى تحرّكها القوى الغريبة التي لا تحلم بالخير لسوريا، ولا تحرص على غير مصالحها هي!
ومن الغريب أن يفاخر ويتباهى ويتبجّح بعض الفرقاء المتحاربين على الأراضي السورية بإحرازه “نصراً مؤزّراً عظيماً استراتيجياً الخ…”، فلا يكاد يمرّ يوم دون أن يدّعي هذا الفريق أو ذلك أنّه حقّق انتصاراً حسم معركة ما وربما سيحسم الحرب…
ويثور إزاء هذا سؤال يستحيل الردّ عليه إلا والألم يعتصر القلب والفؤاد: من هو المنتصر في سوريا فعلاً؟ ومن هو الرابح – إذا كان ثمّ من رابح – غير تجار السلاح ومخرّبي البيوت ومدّمري المدن والقرى والبنى التحتية وقاتلي الأبرياء، ومن هو الخاسر؟
من هو الرابح سوى سماسرة السلاح وتجاره وأعداء الإنسانية ومكارم الأخلاق والقيم السامية؟
وأي انتصار هو هذا؟
لقد قال يوماً أحد القادة العسكريين البارزين بعد تحقيق الجيش الذي قاده انتصاراً عظيماً أنه لا انتصار ولا منتصر في الحروب، وإنما خاسر وخاسر أكثر، ومهزوم ومهزوم أكثر، لأن كل أموال الدنيا لن تعيد إلى الحياة إنساناً واحداً قضى جرّاء الحرب!
فهل يعتبر قتل مئات آلاف الأبرياء انتصاراً؟
هل يعتبر تشريد ملايين الأبرياء وتحويلهم إلى لاجئين يضربون في شتى بقاع الأرض باحثين عن المأوى والملجأ والمأكل والملبس والمشرب انتصاراً؟
أم أن الانتصار (النصر المؤزر!!!) أصبح يعني تدمير القرى والمدن على رؤوس من فيها وتحويلها إلى خراب؟
ومن المنتصر في سوريا غير الموت واليتم والثكل؟
ومن المنتصر في سوريا غير الشيطان وعزرائيل ومن لفّ لفّهما وسار في ركابهما؟
ألا تبّاً لأي انتصار يقوم على أكوام الجماجم وأنهار الدماء وملايين المشردين!unnamed-4-8-221x300

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *